ساجر الرفدي

AMS


ساجر الرفدي
بقلم الأمير محمد الأحمد السديري


ساجر الرفدي ـ نسبه ـ خمول أسرته ـ أخوه عسكر يشد من عضده ـفرسيتهما ـ النزاع بينهما وبين أخوالهما وقتل عسكر ـ حرب ساجر مع أخواله البجايده ـ بروز ساجر ـ شعره ـ الأمير عبدالله الرشيد لا يطمئن الى ساجر ويستعدي عليه الأمام عبدالله الفيصل بن سعود ـ عبدالله الفيصل يهاجم ساجر وبرجس بن مجلاد ـ نزوح ساجر بعدها مع قبيلة العمارات الى وديان عنزة ـ غاراته على نجد ـفروسيته جعلت منه زعيماً متبوعاً ـ شاعره سليمان اليمني ـ الخلاف بين آل شعلان وبروز شخصية ساجر فيه ـ غارته على أبل أبن رشيد وقتله لأبن زويمل وأخذ الأبل ـ الخلاف بين ساجر والسمن وبن قعيشيش وبن غبين من مشايخ عنزة ـ ساجر وقصة الشويهات ـ الخ…
ساجر من قبيلة ( السلقا ) بطن من قبيلة العمارات من عنزة ، وكان والده من بين أفراد هذه القبيلة خامل الذكر ، الا أنه تزوج فتاة من أسرة عريقه ، هي بنت أبي الخساير ، من قبيلة البجايده من السلقا ، وقد رزق منها بولدين ، أحدهما ساجر والأخر عسكر ، وعندما أكتملت رجولتهما برزا بين قبيلة السلقا ، واخذت الأنظار تتجه نحوهما ، على عكس ماكان عليه والدهما من الخمول ، وقد اشتهرا وهما في مقتبل العمر ، لم يتجاوز عمرهما العشرين سنة ، وقد أثبتا وجودهما بين قبيلتهما ، وكانا مضرب الأمثال بين القبائل ، وقد أشادا بيتاً كبيراً لأنفسهما ، وأصبح كل واحد منهما فارساً مغواراً ، وكانت نشأتهما في منتصف القرن الثالث عشر الهجري تقريباً ، وقد حصل بينهما وبين أخوالهما البجايده ، عقد أجتماع في بيتهما ، فدارت مناقشه بينهما وبين أخوالهما أدت الى نزاع مسلح ، قتل فيه عسكر شقيق ساجر ، فانصرف البجايدة الى مواقعهم ، أما ساجر فقد دفن أخاه ، ورحل عن مواطنهم ، الى أراضي القصيم ، أما البجايده فبقوا في أرضهم التي هي قريبة من ( الشملي ) في أعالي بلاد طي ، وكان القصد من رحيله هو أن ينتحي عنهم ، ثم يكر عليهم ، ليأخذ بثأر أخيه ، وبعد مدة أغار على أخواله البجايدة ، وهاجمهم ليلاً ، ولكنه لم يقتل الا عبدا لشخص يسمى سودان ، من رؤساء البجايدة ( وسودان المذكور هو المتهم بقتل أخيه عسكر ) ، ثم أغار عليهم مرة ثانية ، وقتل سودان نفسه قاتل أخيه ، وبعد هذه الجرأة برز ساجر ساجر الرفدي ، والتفت حوله جماعة من أقاربه الشملان ، وأخذ يغزو بهم القبائل المعادية ، وبدأ سعده يطلع ، وأتجهت اليه الأنظار أكثر ، وأخذوا ينظرون اليه كقائد موفق ، وأخذت سمعته تزداد بين القبائل باواسط نجد ، وأنتشر صيته ، الى أن أشتهر ، وعرف بالقائد ساجر الرفدي ، وتزعم قبيلة الشملان ، وكان محبوباً عند كل من عرفه ، وبدأ يقول الشعر ، وينظمه بقومه ، ويحرضهم ، ويشحذ من هممهم حتى أصبح شاعراً مجيداً ، وله أشعار كثيره لم أستطع جمعها ، ولكنني سأورد ماظفرت به من شعره ، الذي يحكي واقع حياته ، ويبين الحوادث التي حصلت له في سيرته ، وكان من المعاصرين لساجر الرفدي الشيخ برجس بن مجلاد شيخ الدهامشه من عنزة ، وكان الأثنان يشكلان خطراً على أمير حائل عبد الله بن رشيد ، ولم يكن أبن رشيد مرتاحاً لموقف الأثنين ، ولذلك بعث أخاه عبيد الى الأمام عبدالله الفيصل بالرياض ، فسأله الأمام عن ما وراءه من أخبار البلاد الشمالية من نجد ، فانتهز أبن رشيد الفرصة ليشي بساجر الرفدي ، وبرجس بن مجلاد ، وقال الأبيات التالية :

يا شيخ أنا جيتك مسير وبلاس = وباغ أشوفك يا مضنة فوادي
وأخبرك بأحوال ناس من الناس = ناسٍ على حكمك تدور الفسادي
يا شيخنا ما حركوا طبلة الراس = وعندك خبر يقزا البعير القرادي
أنا وربعي بين الأثنا والأخماس = ألفين من غبر الفلا والعيادي

هذا ما ظفرت به من هذه القصيدة الطويلة . فسأله الأمام عبدالله عمن يعني بهذه الأبيات ، فقال له هما ساجر الرفدي وبرجس بن مجلاد اللذان يقومان بغزوات متتالية بنجد ، ويفسدان القبائل ويخلان بالأمن ، وأخذ يحرض الأمام عليهما وفعلاً تأثر الأمام عبدالله بكلام أبن رشيد ، فأمر بتجريد حملة لتأديبهما ، فداهمهم وهما بأراضي القصيم ، وبعدها نزحت قبيلة العمارات مضطرة الى وديان عنزة المعروفة في شمال المملكة ، وهناك أستقروا وأخذ ساجر يشن غاراته على أواسط نجد ، وألتفت القبائل من حوله .
وقد قال هذه القصيدة بمناسبة ما حصل عليه من الأمام عبدالله :

الله من عينٍ تزايد حزنها = والقلب م ضكات الأيام مسمور
من شوفتي دارٍ تغير وطنها = من عقب ماني داله القلب مسرور
دنولي الحمرا ومدوا رسنها = وهاتوا ذلولي وانسفوا فوقها الكور
ياما حلا المسلاف باول ظعنها = مستجنبين الخيل يبرا لهن خور
يوم أنها نجدٍ وانا من سكنها = واليوم مايسكن بها كل ممرور
شامت لعبدالله وانا شمت عنها = اللي يصبح به على شقة النور
وانا أحمد الله سالمٍ من شطنها = ومكيفٍ ما بين عرعر وأبا القور

وبعد هذا أخذ يضاعف غاراته على نجد ، وعرف بالشيخ ساجر ، ولم يبق رئيساً لقبيلة الشملان فقط ، بل ترأس عموم قبيلة السلقا ، التي يعتبر الشملان بطناً من بطونها ، وأصبح يشكل خطراً على جميع القبائل المعادية ، وكان في غزواته يتبعه أعداد هائلة من الخيل والهجن ، وكان ميمون النقية ، ومعروفاً بغزواته شجاعاً لا يهاب الموت ، ومع هذا كريم الى أبعد الحدود ، ودمث الأخلاق ومتسامح عن خطايا من حوله من رفاقه ، وكان يفضل قومه على نفسه ، وينصفهم بحقوقهم ويعف عندما يغنم ، وليس للجشع في نفسه مدخل ، وهذه السجايا هي من مقومات زعامته ، الأمر الذي حدا بأكثر قبائل عنزة وبعض قبائل شمر الى الأنضمام اليه في غزواته ، وكان قد أعد صانعاً يسمى خليفاً ، وأسكنه في راس هضبة تسمى ( اللبيد ) وليس لهذا الصانع مهمة سوى صنع حذاء الخيل وتركيبها عندما يغزو ساجر ، ويرجع اليه ، وبهذه المناسبة قال قصيدته المشهورة وهي كما يلي :

يا خليف قطع للسبايا مسامير = عن الحفا يا شوق موضي جبينه
ياما حلا يا خليف تشييدة الكير = براس اللبيد بين خضرا ولينه
وياما حلا يا خليف خز المعاشير = خلجٍ توال الليل تسمع حنيه
كم عزبةٍ زحناه مع نوضة الكير = وكم شيخ قومٍ عندهن جادعينه
من حد حايل لين سنجار والدير = كم خيرٍ بارماحنا عاثرينه
ومن نجد جبنا الصفر هي والمغاتير = والذيب من عدواننا مشبعينه
وحنا على شهب النواصي مناحير = ان طار عن جرد السبايا يقينه
مرٍ مسانيد ومرٍ محادير = وكم جو قومٍ ناثرينٍ قطينه
وكم عايل جنه سواة الشنانير = واصبح فقير خاليات يدينه
من فوقهن فعالة الشر والخير = أهل العلوم البينة والسمينه

وبهذه القصيدة لمح عن الأراضي التي يغزوها ويصل اليها ، وقال أنه وجماعته يذهبون على الهجن الى أعالي نجد ، ثم ينحدرون ويصلون الى سنجار والى الدير بسورية ، وقال أنه وجماعته يفعلون الشر والخير ، أي أنهم حرب على أعداهم ، وسلم لمن صادقهم . لاشك أن ساجر الرفدي قوي العزيمة ، شديد الشكيمة ، طموح الى أبعد حد ، وقد أوجد نفسه من لاشئ ، وفي بعض غزواته قيلت هذه القصيدة ويقال أنها للشاعر اليمني شاعر ساجر الرفدي :

غنام هام ويم طلعه جذبنا = طير الحباري لا برق الريش عفار
وشفنا واغرنا فوقهن وانتدبنا = وشالن ابن لامي على الوجه حدار
وهمنا الدويش بديرته وانقلبنا = جيانهم ما تروي الخيل واعسار
صبح أربعٍ من جو خضرا شربنا = وتشاوروا للراي صليبين الاشوار
والصبح من فوق الركايب ركبنا = ومرن رجم للهيازع وسنار
وابن علي قلط لنا البيت يبنا = وجينا كشافٍ عقب الأضحى والأفكار
ومن فوق زينات السبايا هذبنا = بيومٍ عبوسٍ فيه عج الدخن ثار
ولبن علي وابن طوالة ضربنا = واقفن برياد العشاشيق عبار
حنا ليا منا عدينا غلبنا = وعدونا نسقيه كاسات الامرار
أقفن سلايل خيلهم من غضبنا = غلبا مدلهة العشاير بالأقفار
وحنا ليا منا زعلنا حربنا = ونذر الدخيل ونكرم الضيف والجار
وياما غضبناهم ولحدٍ غضبنا = وهذي عوايدنا على الهجن وامعار
وعدواننا تشكي فعايل سربنا = نوبٍ مسانيدٍ ونوبات حدار

ويقصد الشاعر اليمني بكلمة غنام هو ساجر الرفدي قائدهم مشبهاً اياه بالصقر ، لأن غنام من أسماء أسماء الصقور ، وقال أنهم أبصروا عربان أبن لامي ، فأغاروا عليهم ، وأخذوهم ، ثم صمموا على مهاجمة الدويش ، وأخيراً تراجعوا لأن مناهلهم قليلة الماء ، لا تروي الخيل ، وعسار ، أي عميقة . وفي صبيحة اليوم الرابع وصلوا منهل ( خضرا ) المعروف وشربوا منه ، وهناك تبادلوا الراي ، ثم مشوا باليوم الخامس ومروا برجم ( الهيازع ) و ( سنار ) وهناك وجدوا ان أبن علي زعيم قبيلة عبده من شمر قد علم بهم ، وقطع عليهم الطريق ، متصدياً لهم ، وقد أنظم الى ابن علي ابن طواله زعيم قبيلة الأسلم من شمر ، وذكر الشاعر أنهم هاجموهم وهزموهم هم ومن معهم ، وان خيلهم هاربة ومن فوقها الشبان الذين يعشقون البنات ، وقال أنهم ( يقصد جماعة ساجر ) يغلبون كل من يحاربهم ، ولا يغلبون ، وكأنه معني ببيت عمرو بن كلثوم حيث قال :

فان نغلب فغلابون قدما = وان نغلب فغير مغلبينا

ثم قال في آخر قصيدته : وهو ولا شك يتكلم بلسان ساجر : أنه اذا تحداه أحد حاربه ، وانه يجير من أستجار به ، ويكرم ضيفه وجاره ، ثم قال أنه يغتصب الناس ، ولا يستطيعون أغتصابه وهذه هي عادته على صهوات الجياد ، وأكوار الأبل ، وقال ان اعداءنا يشكون الضيم من كراديس خيلنا ، واننا نسير بنجد جيئه وذهاباً لا نخشى من أعترض طريقنا . :
وفي سنة من السنين ، وفي عنفوان زعامة ساجر الرفدي ، وبروز شخصيته بين زعماء قبائل نجد ، حصل بين آل شعلان خلاف على الزعامة وهم عائلة آل نايف وعائلة آل مشهور ، وكان شيخ آل شعلان وقبائل الرولة آنذاك هو فيصل بن نايف الشعلان ، ويسانده أخوه هزاع بن نايف ، وأبنا أخيه وهما فواز وسطام أبناء حمد النايف ، وقد حصلت بين العائلتين معركة ، تغلب فيها آل مشهور على آل نايف ، وقتلوا فيصل بن نايف شيخ القبيلة ، وأبن أخيه فواز ، وجرح هزاع جرحاً بليغاً .. على أثر ذلك عابت رجله ، أما سطام بن حمد فكان صبياً صغيراً ، لم يبلغ سن الرشد ، وكان عمره يقارب ثلاث عشر سنة ، ففر به عبيد آل نايف ، والتجأوا به الى الشيخ ساجر الرفدي ، أما آل مشهور فقد أخذوا راية الشعلان المشهورة وهي عبارة عن هودج مجلل بريش النعام ، ومن أخذ هذه الراية من عائلة الشعلان يصبح هو رئيس القبيلة ، وكانوا يحملونها في ساعات الحروب ، يتكاتفون من حولها ، وفعلاً ترأس آل مشهور بقبائل الرولة . أما سطام بن شعلان فعندما التجأ الى ساجر الرفدي هو وعبيده ، سألهم ساجر عن القصد من لجوئهم ، فأخبروه بما وقع بينهم وبين أبناء عمهم ابناء مشهور ، وأن شيخ الرولة فيصلا قد قتل ، وكذلك ابن أخيه فواز ، وان أبن مشهور غدر بهم ، وطلبوا من ساجر أن يعينهم بنفسه وبقومه ، لأخذ الثأر من آل مشهور ، وأستعادة الراية ، وقد لبى طلبهم ، وقال : اطمئنوا فأنا معكم ، وأعطيكم عهد الله على ذلك ، ولكن لابد من أن اتوجه أنا وياكم للشيخ أبن هذال ، شيخ العمارات ، لنعرض عليه الأمر ، ونخبره بكل ماحصل ، ونطلب منه ان يكون بجانبنا لتنفيذ ما طلبتموه ، وانا اؤكد لكم انني سأكون معكم حتى ولو أعتذر ابن هذال ، ثم توجه ساجر ومعه الصبي الصغير الى أبن هذال وأخبروه بالأمر، وطلب منه ساجر أن يقود قبائل العمارات ، لأخذ ثأر آل نايف من آل مشهور ، وارجاع رايتهم اليهم ، وقد أستعد أبن هذال لذلك ، وطمأن الشيخ الصغير سطام بن شعلان ،بأنه سيسير معهم ، وعمم الأمر على جميع قبائل العمارات ، ثم ألتفوا من حوله ، ومعه ساجر الرفدي وقبائله ، وسطام معهم ، ومن معه من العبيد ، وقيل أن معهم قسماً من قبائل الرولة ، وزحفوا على آل مشهور ، وقبائل الرولة ، وكان آل مشهور ومن معهم نازلين في وادي
( أبا القور) المعروف ، وقد أرسل أبن هذال جواسيس ليسبروا قوة الرولة ، وبعد أن عاد اليه الجواسيس وأخبروه أن الرولة مجتمعون عن بكرة أبيهم مع آل مشهور ، وبعد أن تأكد أبن هذال من ذلك أستصعب الأمر ، والتفت الى ساجر الرفدي وسطام بن شعلان وقال لهما : لابد من الرجوع والتأني ، الى أن يتفرق عربان الرولة عن آل مشهور ، ثم نغزوهم مرة ثانية ، وهم وحدهم ، وننفذ ما طلبه سطام بن شعلان ، وعندما لاحظ عبيد سطام تردد ابن هذال ، وجهوا سطاماً بأن يستثير ساجر الرفدي بالنخوة العربية ، ولما فعل سطام قام ساجر الرفدي غاضباَ ، وركب قلوصه ، وصاح بفرسان قبائل العمارات ، وقال من يريد أن يتبعني فأنا ذاهب لمهاجمة آل مشهور ومن معهم ، لأخذ ثأر من أستجار بي ، ومن يرد منكم أن يرجع فهو حر ، ثم دفع مطيته مسرعاَ ، ومستجنباَ جواده ،وذهبت فرسان العمارات خلفه ، ولم يتأخر أحد عنه ، وعندما لاحظ الشيخ ابن هذال ذلك صمم على الأستمرار معهم ، لتنفيذ الخطه ، فهاجموا آل مشهور ومن معهم من الرولة ، الا أنهم لم يظفروا بعائلة آل مشهور ، لأنهم دافعوا عن ظعينتهم الخاصة ، وعن راية الزعامة ، وحموها من القوم المغيرين ، وتوجهوا الى أراضي دومة الجندل ، وبعد ذلك قرر ابن هذال الأكتفاء بهذه المعركة ، وأمر القوم بالرجوع ،ولكن ساجر لم يكتف بذلك بل أصر على مناصرة سطام بن شعلان ، وعارض ابن هذال بالراي ، واستمر بمطاردة آل مشهور، وتبعه العمارات ، ولم يتأخر منهم أحد ، ثم كر على آل مشهور مرة ثانية ، وهم في دومة الجندل ، وقتل من فرسانهم عدداَ كبيراَ وأسر الكثير ،واسترجع الراية ، وسلمها لسطام بن حمد الشعلان، وعادوا الى منصبهم الذي سلب منهم . أما ساجر فهو لم يكتف بهذا النصر ، بل كان حافزاَ له على مواصلة غاراته على جهات اخرى ، فأغار على الشيخ ابن زويمل أحد مشايخ شمر وهو المسئوول عن أبل طلال ابن رشيد حاكم حائل ، وكان في الدهناء وقد قتل ابن زويمل ، واخذ كل ماعنده لأبن رشيد من المواشي ، وكذلك أخذ جميع حلال قبيلة بن زويمل ، وبهذه الحادثه أثبت ساجر الرفدي جرأته الفائقه ، حيث تجرأ على مهاجمة المسؤول لحاكم حائل ، متحدياَ بذلك الحاكم نفسه ، وقد رجع بهذه الغنائم العديده الى أهله ، وقال هذه القصيدة واصفاَ قومه مفاخراَ بهم :

مزنٍ تزبر عم عرعر وابا القور = سيله على كل المشاريف ضافي
أول خياله صار فوق أبن مشهور = جاهم على وضح النقا مع كشافي
ياما أقبلن باخوات ربدا تقل سور= وياما أنتحن باخوات ربدا مقافي
كسيرة فيها أحمر الدم منثور = وقفواعليهم لابسين الغدافي
وخيل ضبابه وانتحى السيل بحدور = وبن زويمل شاله السيل طافي
فاجاه من فوق الرمك كل مصطور = خيال ذروه يوم هي بالعوافي
ذروات أخذناهن ويبرى لهن خور = ويفداك مالك ياربيع الضعافي
غرنا على ذروات مع فجة النور = وتخززوهن ناقلين الشلافي
والفاطر اللي عندكم فات له دور = حنت ولا تالي حنينه عوافي
هذي عوايد مدبة كل صابور = قول على فعل وكاد يشافي
وسطام خليناه يركب على الكور = وعقب العنا والكود شاف العوافي
والمركب اللي فوقه الدل منشور = جانا بضرب مصقلات الرهافي

وفد شبه ساجر قومه بالمزن وأن سيله غطى كل كل مرتفع ، وأنه أمطر أول ما أمطر على نزل أبن مشهور ، وأنه أتى اليهم جهاراً ولم يأتهم غدراً ، وقد أثنى على فرسان آل مشهور، حيث قال أن فرسانهم بكرون مرة ويفرون مرة أخرى ، بعد أن يسيل الدم منهم ، وقال أن هذا المزن بعد أن أمطر على آل مشهور أتجه الى أبن زويمل ، المسؤول لأبن رشيد و( ذروات ) أخذناها قسراً ويعني أبل طلال بن رشيد التي يغزو عليها ، وأن من ضمنها خوراً أي أنه أخذ القلائص ومعها أبل غيرها من أبل بن رشيد ، وقال في آخر قصيدته : أن هذه عوائدنا نؤدب الرجال بالرجال ، ولا نقول شيئاً الا ونفعله ، وكل الناس تشهد بفعلنا ، ثم قال : أننا نصرنا الشيخ سطام بعد أن لحقه العناء والكود ، وقال في آخر بيت : أننا أسترجعنا ( المركب ) وهي راية آل نايف بضرب مرهفات السيوف . وبهذه المناسبة قال شاعره سليمان اليمني هذه القصيدة :

حر شلع من مرقب مرقبينه = طلعه بعيد وصيدته حص الأوبار
غنام صياد الشواة السمينة = بمصافق الغارات للضد دمار
صك أبن مشهور وفرق ظعينه = وخلى حريمه قاعدات على الدار
ردد ردوده ثم صدر يمينه = وأدلى على نزل الزميلي بالأصحار
ساجر ضربهم ضربة في يمينه = وحلنا على ذروات بالموقف الحار
كون الضياغم من بخت حاضرينه = طرش كثير وباغي الهجن يحتار
ذروات جن أبهن من الوضح عينه = وضح تخافق وسطهن تقل نوار
راعي البويضا خبروا جاهلينه = كم حلةٍ خلي عمدها على الدار
ساجر حلف حلفٍ وتمم لدينه = وخوات بتلا للعدو كسر تغبار
طلال قل للعبد بينك وبينه = وش لون يا من والعمارات عمار
وش لون تقبل لذة النوم عينه = ووراه ربعٍ مايهابون الأخطار
من باب بغداد لباب المدينه = يلقى بني وايل على الكود صبار
من فوق الأنضا ما بغو واصلينه = مستجنبين قرح الخيل وأمهار
كم خفرةٍ تنعى وتبكي جنينه = خلي لسمحان الضواري بالأقفار
وكم خايعٍ وقت الخطر نازلينه = عاداتهم نزل الخطر سر وأجهار
وكم حلةٍ فوق الرمك ساهجينه = باقفار نجد وكل دار لهم دار
وكم عايل بارماحهم جاد عينه = من ضيمهم يشرب قراطيع الأمرار

وفي هذه القصيدة يقول لطلال بن رشيد : أسأل عمك عبيد كيف ينام وقبيلة العمارات على الوجود ، ولازالت قوية ، وأن ساجر معهم ، لايهاب الأخطار ، ثم قال : من مدينة بغداد الى المدينة المنورة وبنو وائل موجودون على خيولهم ، وأنهم يصلون الى أي شئ يريدونه ، وكم أشبعوا الذئاب الجائعة ، من جثث القتلى ، وكم أرض قفرة رتعوا بها ، دون مبالاة بأحد ، وأنهم يتنقلون في كل بلاد نجد ، وينزلون حيث ما أرادوا ، سراً وجهاراً ، وكل عائل مستكبر يؤدبونه ، ثم أشاد بقائدهم ساجر الرفدي ورمز اليه بالصقر ، وأن نظرته بعيدة ، وأنه بالمعارك يدمر الأضداد ، ثم قال أنه فرق شمل آل مشهور وترك نساءهم على الأرض ، وقال أنهم ردوا ماغنموه من آل مشهور من الأبل لأهلهم ،ثم أستمر بغزوته وأغار على أبن زويمل المسؤول لأبن رشيد ، وأنه قتل أبن زويمل وأخذ حلال بن رشيد وأخذوا ذروات ، وهذا هو أسم قلائص ابن رشيد التي يغزو عليها ، وقال أن من بينها أبلا وضح أي بيض الألوان ، وشبهها بالنوار ، يقصد زهر الأقحوان ، وقال أن ساجر أخذهم بيوم حار ، أي بمعركة حامية ، وأنه أعطى قومه الخيار من أبل بن رشيد لأنها كلها من أصائل القلائص ، وقال أن هذه هي أفعال صاحب البويضا ، ويقصد ساجر الرفدي فالذي لا يعرفه يجب أن يعرفه ، وقال أنه أقسم يميناً أن يخلص راية سطام من أبناء عمه آل مشهوروقد أوفى بقسمه ، وبعد ذلك أثنى على أخوات بتلى ، ويقصد مشائخ العمارات آل هذال .
بعد هذه الوقائع التي فاز بها ساجر زادت شهرته علواً ، وصيته أنتشاراً ، وأخذت تنظر اليه القبائل نظرة أعجاب ، وكان يساعده الحظ في كل غزوة يغزوها ،ولذلك أخذ زعماء القبائل ينظرون اليه نظرة الكراهية ، أصبح مصدر خطر على زعامتهم بين قبائلهم ، خاصة مشائخ ( ضنى بشر ) من عنزه .
وقد نشب الخلاف بين ساجر وشيخ من الخرصة من الفدعان يسمى السمن ، ويقال ان هذا الشيخ قام لدهام بن قعيشيش شيخ قبيلة عموم الخرصة من الفدعان محرضاً اياه على أن يغزو ساجر الرفدي وجماعته السلقا ، لسلب أموالهم وتحويلهم الى فلاليح ، يزرعون بالأرض ، هذه الكلمات أثارت ساجر فشن الحرب على السمن ، وقال هذه القصيدة :

يالسمن ما ربعي لربعك فلاليح = ربعي مقزين العدو بالفعايل
ربعي هل الطولة على الفطر الفيح =مستردفين مبشمات الفتايل
ان درهم الصابور ما من تصافيح = منا ومنكم يرملن الحلايل
والله ما تسرح على الحمض وتريح = ما دام ما حطوا علي النثايل
مادام ماغزت علي الصلافيح = ما نشرب الفنجال والحق مايل
حنا بعون الله عداة مفاليح = تشهد لنا بالطيب كل القبايل
على النضا والخيل دايم مشاويح = ما نتقي برد الشتاء والقوايل
نسعى بدنيانا نبي هبة الريح = ونخوض غباة ونكسب جمايل
ياما عدينا يم أبا الهيل وشبيح = وياما وطن فينا قفار وحايل
ومن الشعب جبنا نياق المصاليح = وردن واغرنا يم بيضا نثايل
وهل الحفر فاجيتهم بالمصابيح = وجبنا حلال الطيبين الحمايل
يوم العفون أهل السوالف مدابيح = أنا على الطفقات صايل وجايل

وبعد ذلك تطورت القضية وثار الشيخ دهام بن قعيشيش ، والشيخ نايف بن غبين ، وكذلك مشايخ قبيلة سبيع ، ثار كل هؤلاء متالبين ضد ساجر الرفدي ، ولكن ساجر أخذ يشن عليهم الغارات المتتابعه ، وحاصرهم حصاراً شديداً ، حتى حمى عليهم الرعي بالفلوات التي ينبت بها الحمض ، وقصد بهذه المناسبة الشاعر البليعان الذي هو من ضنا عبيد ( السبعة) والفدعان خصوم ساجر الرفدي ، وقد أثنى على ساجر ثناء عاطراً ومدحه بما يستحقه ، وهذه من فضائل العرب ، ولاشك أن الشاعر البليعان من المعجبين ببطولة ساجر ، وقد طلب له البليعان بالقصيدة التوفيق والعز ، وأشار الى كراهية المشايخ لساجر ، وقال : أن ساجر أغنى قومه بالغزوات ، وأن كل بلاد من بلاد الاعداء شرب مائها ، ووصل اليها ، وقال : أنه يكسب الأبل الوضح أي البيض في الوقت الذي كان الزعماء غيره نايمين عنها ، الى أن قال بقصيدته : أن ساجر يمتطي الخيل والأبل بغزواته الى أن يسيل الدم من خفاف الأبل ، من شدة الهجير بالصيف ، ثم ذكر أن ساجر حرم على ضنا عبيد المرتع في أراضيهم التي كانوا يملكونها من قبل ، وقد بينها في قصيدته وحددها ، وقال : أن أبناء وايل لايقربونها خوفاً من ساجر ووصفه بالأسد المطل على الذئاب من فوق مرتفع ، وهذه هي القصيدة :

يا راكب حمرا تذب الطواريق = جدعية قطع الفيافي مناها
مدت من الضلعان وقت التشاريق = تلفي لساجر هو محاري عشاها
عساه مع ربعه بعز وتوافيق = اللابه اللي كل شيخ جفاها
ساجر جموعه عاشها بالتصافيق = كم ديرة قد وردوا برد ماها
كم ديرة جوها العيال المطاليق = هدوا رواسيها وداسوا حماها
فوق الرمك ومجاذبات الخنانيق = كم طامح فكوا حبال وراها
الوضح جابوها تذب الطواريق = يوم أن كل نايم ما نصاها
من فوق قب من طوال السماحيق = وهجن بحر القيظ يدمي حفاها
الله يا عشب بالأكوام ما ذيق = في قفرةٍ راعي البويضا حماها
التنف وأرض شبيح وأرض الزرانيق = أولاد وايل ما تقرب حماها
من خوف ساجر يدب القوم ويويق = سبع الذياب اللي ظهر مع شفاها

وعندما تبين لساجر أن ضنا عبيد قد أجمعوا أمرهم على حربه قال قصيدة لم أظفر منها بسوى الخمسة الأبيات التالية :

يا عيال يللي فوق النضا مواريد = خوذوا سباياكم وخوذوا قراكم
خوذوا مهانيد النمش والبواريد = الله لا يخيب رجا من رجاكم
يا لابتي ما عاد فيها تصاديد = والعز بتالي خطوةٍ من خطاكم
يا لابتي نبي نطارد ضنا عبيد = حتى يبين طيبكم من رداكم
اللي يلفون الضماير على الكيد = بين خطاهم واستحقوا خطاكم

لقد أستحث ساجر فرسانه وأمرهم بأخذ قلائصهم وخيولهم ، وأمرهم بأخذ سلاحهم من السيوف والبنادق ، وقال أن الحرب واقعه لا محالة بيننا وبين ضنا عبيد ، وأكد لهم أن عزهم عندما ينجزون مهمتهم ، بأتلى خطوة من خطاهم الثابتة ، وقال أننا سنتجاول نحن وضنا عبيد على الخيل ، حتى تثبت لهم شجاعتكم ، ويعرفونكم تماماً بميدان الحرب ، وأكد لجماعته أن خصومهم تنطوي ضمائرهم على الكيد والخبث ، وأنهم بدأوكم بالخطا ولذلك فقد أستحقوا خطاكم فيجب تأديبهم ، وبعد ذلك شن ساجر غاراته على ضنا عبيد ، بعد أن تجهز هو وفرسانه ، وأخذ أبلا لأحد كبارهم ، وعندما علم بذلك ضنا عبيد الذين هم السبعة والفدعان ركبوا خيولهم ولحقوا
بساجر ليخلصوا أبلهم منه ، فاحتدم الصراع بينهم وبينه عند الأبل ، وقام فرسان ( ضنا عبيد ) بمجهود كبير ، وهاجموا بشجاعة المستميت ، ولكن ساجر وأبطاله صمدوا وأثخنوا فرسان ( ضنا عبيد ) بالضربات القاتلة وتراجعوا عاجزين بعد أن قتل منهم عدد كبير ، وتم أستيلاء ساجر على الأبل . وبهذه المناسبة قال شاعر ساجر سليمان اليمني هذه القصيدة ، وقد فصل فيها تفصيلاً وافياً :

حرٍ شلع من راس سفان وأنهام = يهوي على ناحٍ ويصطي على ناح
هام العراق وقالوا الدرب قدام = وطالع على يمناه خلفات ولقاح
ونوى على درب المقادير جزام = براس اللوى أدلى على المال سراح
وأقفوا هل الطوعات عجلات الولام = بقطعان ابن كردوش كساب الأمداح
صكوا بهن صكت على الزاد صيام = حل الفطور وقال سموا بالأفلاح
ولحقوا هل العرفا وطابور الأروام = فزعة قطين وبه عشاشيق طماح
وهازوا وردوا والدخن ينهم زام = وشافوا سهوم الموت من دونهم لاح
وتلافتن حرش العراقيب سجام = شرهن على مركاض مهدين الأرواح
وغدا لهم عقب النوادية نمنام = وأنيابهم من حامي السو كلاح
وقفوا معيفينٍ بعد ضرب وزحام = كم من عديمٍ باللقا قفوهم طاح
أنذرتكم يا بشر في عامنا العام = عن طاري الفزعة ليا صاح صياح
مادام ساجر كنه السيع ضرغام = عن صيدتة ما نزحه كل نباح
مصطور قطاع الفيافي وجزام = عيى عنيد للطوابير نطاح
من راس البلقا الى نقرة الشام = منه الدول خافت على كل فلاح

وهنا أكد الشاعر سليمان اليمني وصف وصف سيده وزعيمه بالصقر الذي أعتلى مرتفعاً من الأرض ، وأخذ يتحفز لأقتناص صيدته ، وأوهم أعداءه أنه يريد غيرهم لينقض عليهم على غرة ، والحرب خدعة ، وقال أنه فاجأهم وأخذ أبل بن كردوش ، وشهد له الشاعر أنه من الذين يكسبون المدح ، أي من الرجال الطيبين ، ثم ذكر أنهم أحاطوا بالأبل من كل جانب أحاطة السوار بالمعصم ، أو كأحاطة الصائمين بفطورهم بعد أن غربت الشمس وحل الفطور ، ثم انه قال : أنهم لحقوا أهل ( العرفا ) وطابور الأروام ، اما هل العرفا فهم قبيلة السبعة وكانوا ينتخون بالعرفا ، والعرفا المذكورة هي الأكمه الصغيرة التي تقع شرق مطار الطائف ، أما الأروام فهم الخرصة من قبيلة الفدعان جماعة بن قعيشيش وهم ينتخون بالروم وهذه عادتهم , وفي نفس البيت قال : انهم هبطوا من القطين أي من المنهل الكبير الذي تجتمع فيه قبائلهم ، وهنا يبين أنهم ليسوا بقلة ، بل أن عددهم كثير ، وقال أنهم هاجموهم بعد تردد وبعد ان ثار ملح البارود من بنادقهم ، وكذلك رأوا الموت يحول بينهم وبين أبلهم ، ثم قال أن الأبل ألتفتت اليهم ساجمة أي ذاهلة حسيرة وكانت مؤ ملة أن أصحابها يخلصونها ، ولكن أنيابهم كلحت ، وظهر عجزهم ، وأخذوا يتقهقرون ، ورجعوا يائسين من فكها ، بعد أن شاهدوا عدد القتلى على الأرض دونها ، ثم قال الشاعر أنني نصحتكم بالعام الماضي ولم تقبلوا نصيحتي ، وقلت لكم أن شيئاً يغنمه ساجر لا تفكروا بأرجاعه ، وأنه لا يضيره نباح الكلاب ، وقال أن ساجر مصطور أي صلب القناة ، وأنه يقطع الفيافي الموحشة ولا يرهبها ، وعنيد بالحروب ويقابل الطوابير أي الكراديس من الخيل ، ثم قال بالبيت الأخير أن دولة الأتراك أخذت تخشى على كل فلاح من ساجر ، لأنه أخذ يتوغل بين قرى العراق وسورية ، وقام بغارات قرب المدن .
لقد نجح ساجر في أول معركة على ( ضنا عبيد ) وأخذ يوالي غاراته عليهم ، وفي أحدى المناسبات قال هذه القصيدة في خصومه ( ضنا عبيد ) :

يامن لعين كلما قلت نامت = فزت وقامت ماتريد منام
ويامن لقلب كل ماقول داله = يجيه من بين الضلوع وهام
يحس ضيم من الرفاقه وغدرهم = ربعٍ عليهم كل يوم ملام
تشاوروا بالغدر ناوين حربنا = نايف وبلاص الرجال دهام
يبون غرتنا وحنا عذابهم = ومن قال أنا ضيم الرجال يضام
عليهم مشاويل السبايا نجرها = بربعٍ على خوض الحروب هيام
ياما وردنا عقلةٍ جاهلية = وطيرت من جال القليب حمام
حريبنا يشكي مصاطي سيوفنا = أن ثار من تحت الكتام كتام
وعدونا نسقيه كاسٍ من الطنا = ونجيه فوق الراهمات شمام
كم غارةٍ وجهتها يمة العدا = وخذت من عقب الجهام جهام
كمٍ خيرٍ شاف العنا عقب فعلنا = تذكر لعزه بالمنام حلام
ما دام أنا حي فهذي فعايلي = وأن مت للجنة برد وسلام

بين ساجر بهذه القصيدة أنه يشعر بأن ( ضنا عبيد ) يتآمرون عليه وخص بذلك الشيخ نايف والشيخ دهام بن قعيشيش ، ولكنه قال اذا كانوا يهتمون بغدرنا فنحن على أهبة الأستعداد لهم ، ومن أعتقد أنه سيضيم الرجال ، فالرجال سيضيمونه ، وسوف نقابلهم على صهوات الجياد ، ثم أخذ يفخر بنفسه وبقومه ، ويوضح أعمالهم ، وقال في آخر بيت أنه سيواصل أفعاله ما دام حيا ، الى أن قال : وان توفاني الله فأنا أرجوا رحمته وجناته .
وبهذه الفتره أحس ساجر أن أبن هذال شيخ العمارات لا يطمئن له ، وأنه أخذ يعمل ضده ، ورفض أن يساعده على حربه مع ( ضنا عبيد ) وقال هذه الأبيات :

أن بعتنا ياشيخ حنا ذكرناك= بالخير يا رامي عباته لغيره
ياشيخ ما حنا هذولا وذولاك = حنا معادينا على كل ديره
صابورنا ياطا على حوض الأدراك = وخيل مكامين وخيل مغيره
كانك تبي فضخة عيونك بيمناك = أضرب عليها يا قليل البصيره

لقد طال حرب ساجر مع قبائل ( ضنا عبيد ) وحصل بينهم معارك دامية ، وكان ساجر مضرب الأمثال بالأقدام ، والطموح ، وقد عاش عمراً طويلاً ، وعندما طعن بالسن وشعر أن قواه بدأت تضعف وأحس أن سعده لم يكن كما كان .. قال هذه القصيدة متغزلاً بمحبوبة له وهو يقصد دنياه التي عاش فيها :

عيني قزت عن نومها وأسهرتني= ماهي مريضه مار بالقلب ولوال
واحسرتي من عشقتي عايفتني = وشامت ونسيت ما مضى لي بالأفعال
تعطرت يوم أنها باغيتني = واليوم ما حطت علومي على البال
وقرونها جرد السبايا تلتني = وعطورها دم النشاما ليا سال
عاهدتها بالله وهي عاهدتني = واليوم أشوف أفعولها أقفاي واقبال
دنياي بحمول العنا ضاهدتني = والكبر يرث بالرجل كل غربال
من مدها بالجود ياما عطتني = وياما ركبنا فوق عجلات الأزوال
وياما على طيب الفعايل هدتني = وخليت عيرات النضا تهذل أهذال
نمشي على ما كاد لو ساعفتني = وأن عاضبت نذكر بها زين الأمثال
وكم سربةٍ نجرها تابعتني = وخليت غارتها على القوم تنهال
والله لخوض بحورها لو عصتني = ما دام جسمي باقي ما بعد زال
مالي حسايف كانها خالفتني = للي يخلط الخير والشر عمال

لقد أشتكى ساجر من الأرق ، وبين أسباب أرقه ، ليس من مرض في عينه ولكن لما بقلبه من الولوال، وما يخالجه من الفكير .. ثم أشار متحسراً على محبوبته التي لمس أنها بدأت تنفر منه ، وتناست ماضي فعاله ، وعاملته بالصدود ، وذكر أنها أيام كانت مقبله عليه ، تتعطر وتتجمل ، أما الأن فلم يعد يخطر لها على بال ، ثم وصف ذوائب هذه المحبوبة ، وبين أنها جرد السبايا أي ضمر الخيل ، وأن عطرها دم الأبطال المسفوك ، وذكر أن بينه وبينها عهداً مؤكداً ولكنها أخذت تنكث العهد ، وبدأت تعرض عنه ، وأشتكى بأنه تحمل الغبن من دنياه ، بأسباب الكبر، لما وهن العظم منه ، وشتعل الراس شيباً ، ولطالما مدته بالجود وأعطته من خيراتها ، على صهوات الخيل ، باحثاً عن الرزق ، وكم أهوال لطيب الأفعال وركوب الأبل واجهوها لنيل مقاصدهم ، الى أن قال : سوف أتجشم الصعاب ، لو أنه ساعفتني ، أما اذا أصرت وأعرضت فسأذكرها بالأمثال ، أي الأشعار ، ثم رجع الى ماضيه وقال : كم كوكبه من الخيل قادها وأغار بها على القوم ، ثم أقسم على نفسه رغم كبر سنه أنه سيخاطر بآخر حياته مادام جسمه باقياً ، وفي آخر بيت قال : أنه لا ولن يأسف اذا هي خالفته شريطة أن تتجه الى كفئ يخلط الخير والشر .
ولاشك أن ساجر قد ضرب مثلاً عالياً بالشجاعة والأقدام ، وتزعم قبيلة ( السلقا ) وتضائل أكثر زعماء القبائل أمامه ، ولازالت زعامة قبيلة السلقا يتوارثها أحفاده ، وهم يسكنون بقرية الشملي في أعلي بلاد طئ .
ومن القصص الغريبة التي أتفقت للشيخ ساجر أنه كان نازلاً في أحد مضاربهم ، وله جار يمتلك ستين شاة من الغنم ، وجاء نذير لساجر بأنهم غداً مصبحون من أعدائهم فأصدر أمره الى جماعته بالتحول عن هذا المضرب تفادياً لمفاجأة العدو ، وكانت مواشيهم من الأبل والخيل وليس معهم من الشياه سوى الستين التي يمتلكها جارهم ،وقبل أن يغادروا مقرهم ، فاجأتهم غارة العدو وكان من الممكن أن ينجوا بالخيل والأبل ولكنه من الصعب أن بنجوبالشياه ، وكبر على الشيخ ساجر أن تنجوا قبيلته بابلهم وخيلهم وأن تكون شياه جاره هي كبش الفداء ، وهاله الأمر ثم فكر ماذا يكون حديث الناس عنهم اذا تخلوا عن جارهم وشياهه ، وآخيراً صمم على أن يحملوا شويهات جارهم وأن يقدموها على أموالهم وأولادهم .. فدبر خطة تدل على أن ساجر الى جانب جرأته وشجاعته كان من دهاة الرجال ، شطر خيل أصحابه شطرين لتنفيذ هذه الخطة وكان عدد فرسانه نحو مائة وعشرين فارساً ، فأمر ستين منهم أن يلتقط كل واحد منهم شاة من تلك الغنم ، ثم ينحونها أمام ظعنهم ، بينما الستين الآخرين يقفون مستميتين في وجه العدو المغير ، ثم يعود اللذين نحو الشياه ليشتركوا في المعركة ويخففوا عن أخوانهم ويفسحوا لهم المجال لينوبوا عنهم هذه المره في نقل الشياه وأبعادها مرة ثانية عن المعترك .. وهكذا أستمر أنصار ساجر وفرسانه يتبادلون نقل الشياه ويكافحون العدو المغير في كر وفر معه ، وطراد ونزال ، حتى تم لهم النجاة بشياه جارهم ولم ينقصوا من أموالهم شيئاً ، وعاد المغيرين بخفي حنين ، يجرون أذيال الفشل والخيبة ، كل ذلك فعله ساجر في سبيل حماية الجار ، التي هي من شيم العرب .
ومن ذلك التاريخ أستحق ساجر وجماعته أن يطلق عليهم لقب أصحاب الشويهات ، وهم الى الأن يعرفون بهذا اللقب ، ومعناه أنهم الذين نجوا بشويهات جارهم .
وقصه أخرى طريفه وقف فيها عند قوله وأظهر صوامته وقوة ارادته ،
أن قدرة الأنسان الحقيقية لا تكمن في فعله فقط .. كما أن ذكاءه وأخلاقه لايمكن أن تحدد بأقواله ومعتقداته ، وأن أصعب شئ قد يواجه الأنسان – أي أنسان – هو التوفيق بين ما يهدف اليه
وما يقوله وما يصنعه ، وبمعنى أصح (( أن يقف عند كلمته )) نعم أن الوقوف عند الكلمة ، قد حملت الأنسان الشجاع الكثير الكثير من التضحيات الجسيمة ، ولكنه مع ذلك أعطى بنفس سخية
لا تبخل ، ونفس أبية لا تجزع ، ونفس عزيزة لا تتطامن ، وجنى فوق ذلك كله راحة البال والضمير ، وقد علمنا التاريخ أنه ما من أنسان وقف عند أقواله وقوف المؤمن الصادق ، والمحارب المستميت ، الا وتفتحت أمامه أبواب النصر باباً بعد آخر .. ومثل هذا الرجل انما يغزو قلوب الناس قبل أراضيهم ، ويكسب حبهم قبل أموالهم ، ويضرب الأمثال الشريفة على معنى الوفاء بالعهد .
وامامنا الآن مثال رائع جسد واقع الوفاء بالقول أبلغ تجسيد ، ان قصة ( ساجر الرفدي ) التي تعطينا أبعادها وملامحها قصيدته المشهورة التي تقول :

وامهرتي وأنا عليها شفاوى = ان قيل يا هل الخيل تطري عليه
ماني معودها لكسب الشواوي = ولا رددت فرق البقر بالزويه
أبرها لمكسرين العزاوي = والحق عليها كل راعي رديه
يوم الملاقى تعترض بالاهاوي = الى تنادوا بينهم بالحميه
وأنا على جدع المدرع رهاوي = وياما جدعت الشيخ والا حليه
وياما تحملنا كبار البلاوي = وننطح وجيه أهل العزوم القويه
وانا لعصمين الشوارب فداوي = حماية الساقات في كل هيه
وليا اجتمع حس الغنا والنعاوي = يا طراد هاك اليوم عيدٍ عليه

وقدر لساجر الرفدي أن يغزو قبائل الشويان الغزالات .. وقد تغلب عليهم وغنم منهم من الأغنام مايزيد على عشرة آلاف راس .. وعندما أخذ يوزع الغنايم على قومه ، أتى اليه رجل من الشويان المهزومين وقال لساجر : ألست القائل لهذا البيت :

ماني معودها لكسب الشواوي = ولا رددت فرق البقر بالزويه

ففوجئ ساجر وبهت ، وأجابه ينعم أنا القائل لهذا البيت .. فرد عليه الشاوي ، اذن لماذا تأخذنا ولم تفي بكلامك . فهب ساجر قائماً ونادى في قومه أن تخلوا عن المكاسب جميعها ويجب أن تعاد الى أهلها بدون نقصان – ولاشك بأن هذا الفعل انما يدل على ما يتمتع به ساجر من أحترامه لنفسه قبل أي شئ آخر .. ومعنى أن تحترم نفسك ، أي تصونها وترفعها ولا تجعلها مستنقعاً مليئاً بالمتناقضات والأكاذيب .
وحقاً لقد وفى ساجر و ( وقف عند كلمته ) بكل شجاعة وتضحية ، واستحق بذلك أن يكون رجلاً وبطلاً يصنع التاريخ .


المصدر : كتاب أبطال من الصحراء – محمد الأحمد السديري – صفحة 97

Be First to Comment

    اترك تعليقاً