شالح بن هدلان

Share

AMS


 شالح بن هدلان
بقلم الأمير محمد الأحمد السديري


نسبه – مكانته في قومه – فروسيته – أخوه الفديع – شجاعته – الالفه بينه وبين أخيه – تبادل الشعر بينهما – قتل الفديع وحزن شالح عليه – أبناء شالح – قتل عبيد بن حميد في ثأر الفديع – الشعر بين شالح والجمدة حول ذلك – بروز ذيب بن شالح وفروسيته النادره – شعره – لطفه مع أبيه –كسبه لجواد نادر – أبوه يبكيه حياً – القبائل تتحاشى الأغاره على قومه خوفاً منه – اغارة الملك عبدالعزيز على ظعينة والده – دفاعه المستميت دونها – شعر والده في ذلك – قتل ذيب وحزن والده عليه وشعره في رثائه – كيف قتل ؟ الهويدي وطيره وشعر شالح فيه .. الخ …


هو الفارس شالح بن حطاب بن هدلان ، نشأ بين أفراد قبيلة الخنافره التي هي فخذ من قبيلة آل محمد القحطانيه ، وعاش الى سنة 1340هـ تقريباً ، وكان مثالياً بشجاعته وأمانته وصدقه وحسن أخلاقه وكرمه ووفاءه ، وكان يحكم لحل المشاكل سواء كانت على مستوى قبلي أو فردي ، وكان محبوباً عند قبائل قحطان وعند القبائل الآخرى . نشأ شالح بين أفراد قبيلة الخنافره ، وكان له أخ يسمى الفديع كان أصغر منه كثيراً ، شقيقاً له ، وكان مثالياً بشجاعته وأخلاقه ، ويماثل أخاه شالح في كل شئ ، الا أنه كان مغامراً بفروسيته الى أبعد الحدود ، وكان وفياً مع أخيه شالح ، وخادماً اميناً له ، يرى أن تفانيه في خدمة أخيه الأكبر فضيلة من الفضائل لا يعادلها شئ ، وبعد كملت رجولته تحمل كل مشاق الحياة عن أخيه شالح وأصبح هو حامي ظعينتهم ، وكانت ابلهم لا تذهب للمرعى الا وهو معها مدججاً بالسلاح على صهوة جواده ، وكان حصناً حصيناً لها ، ولأبل الحي ، ولا يخطر ببال أي عدو أن يغير عليها مادام الفديع عندها ، وأذا تجرأ أحد من الأعداء وأغار عليها فلا بد أن يرجع مدحوراً ، وذات يوم مع بزوغ الشمس ، وأخوه شالح جالس حول ناره يحتسي القهوة .. ألتفت الي الأبل وهي في مباركها قرب البيت رآها تعتب بعقلها ولم يرى الفديع ، فنادى شالح قائلاً : الأبل تعتب بعقلها والفديع غائب عنها أين هو ؟ فقيل له : أن زوجتك تنظف رأسه أي تغسله وترجله داخل البيت ، فقام غاضباً ورأى زوجته تغسل رأس أخيه كعادتها فقال : الأبل حائره في مباركها ولم تذهب للمرعى وأنت عند النساء تغسل رأسك ، فأخذ من التراب ووضعه على راس أخيه ، فقام الأخ البار خجلاً من أخيه وأخذ يمسح التراب عن رأسه ، وهو يردد كلمته العفو يا أخي ، ثم طلب من زوجة أخيه أن تسرج جواده ، وتحضر سلاحه ، وذهب للأبل مسرعاً ، وأخذ يطلق عقالها ، أما شالح فقد رجع الى قهوته ، وجلس من حولها ، وعندما أطلق الفديع عقل الأبل رجع وأخذ سلاحه ولبس عدته ، ثم أتى الى أخيه يمشي بحذر وبخفه متناهية من حيث لايشعر به فقبل رأسه وقبل مابين عينيه ، وقال : في أمان الله يا أخي . وركب جواده وأتبع أبله ، التي لا يطمئن شالح الا بوجود أخيه معها . وعندما رجع الفديع بعد غروب الشمس أتى الى أخيه شالح وسلم عليه ، وقبل ما بين عينيه ، وجلس في مكان أخيه عند القهوه ، وأخذ يصب لأخيه شالح ، ويقص عليه أخبار يومه الفائت ، ويداعبه بالنكت المضحكه ، ويحاول أن يثبت لأخيه شالح أنه لا يحمل في نفسه عليه أي عتب ، وأنه لم يغتظ من حثو التراب على رأسه ، وكل ما يهمه هو أن يكون أخوه راضياً عنه ، وكان الفديع على عادته آتياً بعدد من الغزلان أصطادها بالفلا فأخذ يقدم لأخيه من طيب لحمها ، وعندما أراد شالح أن يأوي الى مضجعه ، همست زوجته بأذن الفديع وقالت : أن الماءالذي عندنا نفذ ، ولا بد أن أخاك عندما ينتبه من نومه سيطلب ماء للقهوة ، وسأخبره أنه لا يوجد عندنا ماء ، فقال الفديع : الحذر أن يعلم أخي بذلك وطلب منها أن تذهب لأحد الجمال وتنيخه بعيداً عن الأبل وتضع رحله عليه وأن تضع عليه مزادتين وركب الفديع جواده ، وأستاق الجمل أمامه ، وراح يبحث عن منهل يستقي منه الماء ، وعند طلوع الفجر الأول ، وقبل أن يستيقظ أخوه عاد محملاً الجمل بالماء ، وحط الرحل وسكب من الماء في دلال أخيه لتكون جاهزه لأعداد القهوة عندما يستيقظ ، ونام هو قليلاً الى قبل طلوع الشمس ، وقام كعادته وصبح أخاه بالخير ، وأنطلق بأبله كعادته للفلا ، وبعد ذلك أسرت أمرأة شالح لزوجها بما فعله الفديع ، وعندما عاد الفديع بعد غروب الشمس ، وسلم على أخيه وجلس عنده ، لاحظ الفديع أن أخاه شالحاً كثير التفكير ، ومشدوه البال ، فسأله قائلاً : ما بك هذه الليلة ، عسى أن لا تشكو من ألم ؟ أخبرني لأن ما رأيته من تفكيرك أساءني ؟ فقال : ياأخي ليس بي شيئ الا أنني أفكر في حالتك لأنني أتعبتك في هذه الدنيا ، وأنت وحدك متحمل مشاق هذه الحياة ، وكل أيامك وأنت على صهوة جوادك ، وأنا أعرف أن هذا شئ يضني . وكم أود أن يكون أبنائي كبارا ليساعدونك ويخدموك ، ولكنك أنت متكفل بهذه العائلة الكبيرة 0 فقال الفديع : أنا سعيد بأن أقوم بخدمتك ، وكل ما أوده بهذه الحياة أن أكون وفياً معك ، وأن أحوز رضاك ، وأن أخدمك كما يجب علي ، وأن لا يحصل مني شئ يكون سبباً في أزعاجك .وأنشد :

يا بو ذعار أكفيك لوني لحالي = وأصبر على الدنيا وباقي تعبها
وأن غم أخوه معثرين العيالي = أنا لخويه سعد عينه عجبها
وأن جن مثل مخزمات الجمالي = كم سابقٍ تقزي وأنا من سببها
كم خفرةٍ قد حرمت للدلالي = لبست سوادٍ عقب لذة طربها
وأن جيت لي قفرٍ من النشر خالي = يفرح بي الحواز يوم أقبل بها
أفديك يا شالح بحالي ومالي = يا فارس الفرسان مقدم عربها
يا متيه أبله بروس المفالي = ياللي حميت حدودها يا جنبها
قال هذه الأبيات لأخيه فتأثر شالح بها ، وأجابه بهذه القصيده :
لا واخوٍ لي عقب فرقاه باضيع = كني بما يجري على العمر داري
أخوي يا ستر البني المفاريع = ومطلق لسان الي بأهلها تماري
ما قط يومٍ شد بين الفراريع = يا كود ما بين الكمي والمشاري
ليته عصاني مرةٍ قال ما طيع = كود أني أصبر يوم تجري الجواري
أنا أشهد أنه لي سريع المنافيع = عبدٍ مليك لي ولاني بشاري
تشهد عليه مناتلات المصاريع = وأعداه من كفه تشوف العزاري
يمناه تنثر من دماهم قراطيع = وعوق العديم اللي بدمه يثاري
جداع سفرين الوجيه المداريع = مخلي سروج الخيل منهم عواري
القلب ما ينسى بعيد المناويع = ليثٍ على صيد المشاهير ضاري

وكأن شالحاً قد توقع بهذه القصيده مستقبل أخيه الفديع ، لأن الفديع كان مغامراً بقتاله ، وكان أخوه شالح يخشى عليه دائماً من مغامراته ، لأنه يراه هو كل شئ بالنسبة له ، وكان يفضله على نفسه ، ويفاخر به عند القبائل ، وذات يوم كان شالح راحلاً بظعينته ، وكان أخوه الفديع أرمد العينين ، وجواده يقاد مع الظعينه ، وهو في هودج ، معصوبة عيناه ، فأغار على ظعينتهم كوكبة من الخيل ، وتبين لهم أن هذه الخيل المغيرة هي خيل الحمدة زعماء قبيلة عتيبه ، الشجعان المشهورين بالفروسية ، والذين يضرب المثل بشجاعتهم ، فأخذ شالح وحده يدافع عن الظعينة بكل بسالة ، وكان الحرب بينه وبين المغيرين سجالاً ، فمره يهزمهم ويبعدهم عن الظعينة ، ومره يكثرون عليه ويهزمونه الى أن يصل الى ظعينته ، ثم تتصاعد صيحات النساء ، وزغاريدهن حافزات له على القوم ، فيلقى القوم بقلب أقوى من الحديد ، الى أن يبعدهم عن الظعينة ، فطال القتال وهم على هذا المنوال ، وقد لاحظت والدة شالح والفديع ، أن شالح أعياه الطراد ، فنزلت من هودجها وأسرجت جواد الفديع الأصفر ، وأحضرت سلاحه ، وقالت : أنزل وهب لمساعدة أخيك ، لأن القوم سيغلبونه 0 فقال : يا أماه أنا أذوب كمداً وأحترق حسرة من حين سمعت غارة الخيل ، ولكن كيف أرى حتى أساعد أخي ؟ فقالت : أنا سأجعلك تبصر ، وكان متلهفاً لأن يرى بعينيه ، حتى يهب لمساعدة أخيه ، وعندما أنزلته أمه من الهودج أتت بماء وغسلت عينيه وأخذت تفتحهما بشدة ، ويقال أنه عندما أنفصل كل جفن عن الأخر نزل الدم والصديد معاً من عينيه ، فوثب كأنه النمر ، وركب جواده وهو لا يبصر الا قليلاً ، وكانت خيل الأعداء آتية بأخيه ، فستقبلهم الفديع المغامر غير مبال ، فجندل أول فارس ، ورجعت الخيل هاربة فجندل الآخر ثم جندل الثالث ، وعندما أنغمس بين الخيل ، رشقوه بعدد كثير من الرماح دفاعاً عن النفس ، فأصاب الفديع رمح أخترق رأسه فخر قتيلاً ، ولكن الأعداء أستمروا بالأدبار ، لأنه قد أعياهم القتال ، ونزل شالح عن جواده وقلب أخاه فاذا هو ميت ، وكانت نكبة موجعه لشالح وكانت لحظات ألم أحس وكأن خنجراً مزقت أحشاءه دون أن يستطع ايقاف ألمها الا بالدموع التي
تسابقت متناثرة على وجنتيه ، اللتين علاهما غبار المعركة ، وبعد أن قبل أخاه القبلة الأخيرة ، نظر الى ذلك الجبين المعفر بالتراب ، الذي طالما لامس الارض من خشية الله ، ونظر الى تلك العينين اللتين طالما سهرتا عليه الليالي الطوال ، ونظر الى ساعديه اللذبن طالما أنطلقت منهما الرماح لتصافح صدور الأعداء ، ذائدة عنه وعن محارمه وأمواله 00 وهكذا دارت الأفكار برأس الأمير المنكوب شالح ، ثم مسح التراب عن أخيه بكف مرتعشه ، وطبق جفنيه وأمر من حوله أن يكفنوه ، وكانوا في واد بنجد يسمى ( خفا ) وكان على جانب الوادي هضبة تسمى هضبة ( خفا ) فدفن الفديع على مقربة من هذه الهضبة 00 وهكذا طويت صفحة من التاريخ ، سجلت مثلاً رائعاً للشجاعة والوفاء وكيف كان بر الأخوين لبعضهما ، والمعاملة بينهما التي هي من شيم العرب وأحدى مفاخرهم .

لقد رثا شالح أخاه بقطرات من دم قلبه في هذه المقطوعة :

أمس الضحى عديت روس الطويلات = وهيضت في راس الحجا ماطرا لي
وتسابقن دموع عيني غزيرات = وصفقت بالكف اليمين الشمالي
وجريت من خافي المعاليق ونات = والقلب من بين الصناديق جالي
واخوي ياللي يم قارة خفا فات = من عاد من عقبه بيستر خمالي
ليته كفاني سو بقعا ولا مات = وانا كفيته سو قبرٍ هيالي
وليته مع الحيين راعي الجمالات = وأنا فداً له من غبون الليالي
واخوي ياللي يوم الأخوان فلات = من خلقته ما قال : ذا لك وذا لي
تبكيه هجن تالي الليل عجلات = ترقب وعدها يوم غاب الهلالي
وتبكي على شوفه بني عفيفات = من عقب فقده حرمن الدلالي
عوق العديم ان جا نهار المثارات = والخيل من حسه يجيهن جفالي

وكان لشالح ثلاثة من الصبية أكبرهم ذعار وأوسطهم ذيب وأصغرهم عبدالله ، فأخذ شالح يربيهم ويعلمهم الفروسية ، وتبين له وهم في سن الطفولة ، أن من بينهم صبياً سيعوضه أخاه الفديع ، لمع بعينه معاني الفروسية والرجولة ، وكان أديباً طائعاً لأبيه ، فأصبح شالح لا يحب أن يغيب عن ناظره لحظه واحدة ، الى أن برز بميدان الفروسية ، وكان مثلاً للشجاعة ، وكان مضرب الأمثال بين قبائل نجد ، ولم يكن أخوا ذيب ذعار وعبدالله الا فارسين معدودين من أفرس الرجال بين قبيلة قحطان ، وكانا يتقدمان الغزاة الى بلاد الأعداء ، ولهم أفعال مجيدة بين قومهم ، ولكن شهرة ذيب وشجاعته النادرة غطت على أخويه ، وعلى غيرهم ، وقبل أن يأتي دور ذيب بقي شالح يترقب الفرص بالحمدة رؤساء قبيلة عتيبة ، لأخذ ثأر أخيه الفديع ، وقد أعد العدة لذلك ، وبعد مرور الأيام سنحت الفرصة لشالح لأخذ الثأر من الحمدة بعد أن تقابلوا بالميدان ، وكان أحد أقارب شالح يسمى مبارك بن غنيم بن هدلان قد تعهد بأخذ ثأر الفديع ، فعمد الى عبيد أبن الأمير تركي بن حميد الفارس المشهور ، عمد اليه في حومة الوغى فجندله بثأر الفديع ، فكبر المصاب على الحمده بفقدان عبيد بن تركي بن حميد ، وكان خسارة مؤلمة لهم ، وأخذ أخوه ضيف الله بن تركي يتمثل بهذه الأبيات راثياً أخاه عبيد ، ومتوعداً قبيلة قحطان التي قتلت أخاه ، ومحرضاً الأمير محمد بن هندي بن حميد على ذلك فقال :

ياونتي ونة كسير الجبارة = الى وقف ما احتال وليا قعد ون
عليك يا شباب ضو المنارة = عليك ترفات الصبايا ينوجن
من مات عقب عبيد قلنا وداره = لا باكي عقبه ولا قايل من
تبكيك صفرٍ البسوها غياره = تبكيك يوم أن السبايا يعنن
وتبكيك وضحٍ ربعت بالزباره = اليا قزن من خايع ما يردن
الخيل عقب ما به نماره = وش عاد لو راحن وش عاد لو جن
يا شيخ ما تامر عليهم بغاره = كود الجروح اللي على القلب يبرن
يقطع صبي ما ينادي بثاره = الى أقبلن ذولي وذوليك قفن
ياهل الرمك كل يعسف مهاره = والمنع ما نطريه لاهم ولا حن

فأجابه شالح بن هدلان بقوله :

ضيف الله أشرب ما شربنا مراره = اصبر وكنك شالح يوم حزن
راح الفديع اللي علينا خساره = واخذ قضاه عبيد حامي ثقلهن
يمنى رمت به ما تجيها الجباره = اللي رمت بعبيد في معتلجهن
من نسل أبوي وضاري للشطاره = يصيب رمحه يوم الأرماح يخطن
وعبيد خلي طايحٍ بالمغاره = عليه عكفان المخالب يحومن
وعاداتنا بالصيد ناخذ خياره = ثلاثة الجذعان غصبن بلا من
يا قاطع الحسى ترى العلم شاره = لا بد دورات الليالي يدورن
حريبنا كنه رقيد الخباره = خطرٍ عليه اليا توقظ من الجن
ماني بقصادٍ بليا نماره = أجدع نطيحي بالسهل وأن تلاقن
من حل دار الناس حلوا دياره = لا بد ما تسكن دياره ويغبن
ومن شق ستر الناس شقوا ستاره = ومن ضحك بالثرمان يضحك بل سن
وان كان ضيف الله يعسف مهاره = فمهارنا من عصر نوح يطيعن
تدنا لصبيان سواة النماره = شهب لماضين الفعايل يعنن

وهنا نوه شالح بن هدلان عن مقتل عبيد بن تركي بن حميد ، وأنه أخذ ثأر الفديع منه ، وكذلك أشار الى مقتل الثلاثة الجذعان أي الثلاثة الشبان وهم : سلطان بن محمد بن هندي ، ونائف بن محمد بن هندي ، وأبن عم لهم ، وقد قتل الجميع بثأر الفديع .
نرجع الى الصبي ذيب بن شالح بن هدلان ، فعندما بلغ سن الرابعة عشر ، وكان بهذا السن قد تدرب على ركوب الخيل ، وقد رباه أبوه أحسن تربية ، وذات يوم أجتمع مشايخ الحي من أقارب شالح ، وهم أبناء عمه السفارين ، أجتمعوا لرأي ، ولم يدعوا شالح لحضوره ، وفي آخر اجتماعهم أرسلوا اليه رسولاً يدعونه ، وكان عنده علم بأجتماعهم ، فقال لرسولهم : أخبرهم أنني لن أحضر أجتماعهم ، لأنهم أجتمعوا قبل أن يخبروني ، وأنا سأرحل حالاً الى قبيلة الدواسر ، وقد رحل فعلاً وحاولوا أن يرضوه وأن يعدل عن رأيه ، ولكنه أصر على الرحيل وأرسل
لهم هذه القصيدة :

أنا ليا كثرت لشاوير ما شير = وحلفت ما تي بارزاً ما دعاني
وأنا صديقه في ليالي المعاسير = والا الرخا كلٍ يسد بمكاني
وشوري ليا هجت توالي المظاهير = شلفا عليها رايب الدم قاني
شلفا معودها لجذع المشاهير = يوم السبايا كنها الديدحاني
ماني بخبل ما يعرف المعابير = قدني على قطع الفرج مرجعاني
أن سندوا حدرت يم الجوافير = وأن حدروا سندت لمريغاني
ناخذ بخيران المريبخ مسايير = وما دبر المولى على العبد كاني

فرحل الى قبيلة الدواسر ، وعندما وصل اليهم أكرموه وأعزوه ، فصادف ذات يوم وهو عندهم أن أغار عليهم فرسان من قبيلة عتبة آخر النهار ، وكان ذيب بن شالح قد بلغ من العمر أربعة عشر عاماً ، ولكن والده قد أعد له جواداً من الخيل ، وقد دربه على فنون القتال ، لأنه يعلق على ذيب آمالاً جساماً ، وعندما علم الدواسر بغارة الفرسان على أبلهم ، ركبوا خيولهم وكروا على القوم المغيرين ، وكان جارهم الصغير ذيب معهم ، وعندما تجاولوا على الخيل عند الأبل ، منع الدواسر أبلهم ، وراحوا يطاردون المغيرين من قبيلة عتيبة ، وكانت الشمس قد غربت ، فدفع ذيب جواده بسرعة البرق على فارس من قبيلة عتيبة كان في مؤخرة الفرسان ،يدافع عن جماعته فلكزه برمحه الصغير ، فرماه عن جواده ، وأخذ الجواد غنيمة ، وكانت صفراء اللون ، أي بيضاء ، وكانت غريبة الشكل ، لا يعادلها من الخيل شئ ، فرجع فرسان الدواسر منتصرين ، بعد أن هزموا القوم ، وأخذوا منهم عدداً من الخيل ، ورجع ذيب مع جيرانه منتصراً ، وغانماً أجود جواد في نجد وكانت هذه أول وقعة يحضرها ذيب ، فأسرع أحد فرسان الدواسر ليبشر جارهم شالح أن أبنه بخير ، وأنه غنم جواداً لا يعادلها جواد في نجد ، ولما وصل الفارس الى شالح وجده واقفاً أمام بيته يترقب أخبار أبنه الغالي ، الذي يعلق عليه آمالاً كبيرة ، فبشر الدوسري جاره بما فعل أبنه ذيب ، وأثنى على ذيب بما هو أهل له ، فتهلل وجه شالح بشراً ولما وصل أبنه ذيب ترجل عن الجواد الذي غنمه من القوم ، وجاء يمشي نحوأبيه بخطوات ثابته كأنه النمر فسلم عليه وقبل جبينه ، وسلم له عنان الجواد الغنيمة فشكره أبوه وقال : هذا ظني فيك ياذيب ، وعندما رأى شالح الجواد عرف أن له شأناً عظيماً. وفي الصباح أعاد النظر في الجواد ، فاذا هي التي يضرب بها المثل عند قبيلةعتيبة ، وقبائل نجد ، وكانت تسمى ( العزبة ) وعندما علم بها الأمير محمد بن سعود بن فيصل ، وعلم بها أمير حائل محمد بن رشيد ، أرسل كل منهما رسله يطلبون الجواد من شالح ، فأعتذر من الرسل ، وقال لهم بصريح العبارة : أن هذه الفرس أخذها ذيب من الأعداء ، وهي لا تصلح الا له ، وأنشد :

يا سابقي كثرت علوم العرب فيك = علوم الملوك من أول ثم تالي
لا نيب لا بايع ولاني بمهديك = وأنا اللي أستاهل هدو كل غالي
وانتي من الثلث المحرم ولا أعطيك = وأنتي بها الدنيا شريدة حلالي
ياما حلا خطوى القلاعة تباريك = أفرح بها قلب الصديق الموالي
وياما حلا زين الندى من مواطيك = في عثعثٍ توه من الوسم سالي
وياحلو شمشولٍ من البدو يتليك = بقفر به الجازي تربي الغزالي
الخير كله نابتٍ في نواصيك = وأدله ليا راعيت زولك قبالي
بالضيق لوجيه المداريع نثنيك = وعجله وريضة خلاف التوالي
حقك علي أني من البر أبديك = وعلى بدنك الجوخ أحطه جلالي
أبيه عن برد المشاتي يدفيك = وبالقيظ أحطك في نعيم الظلالي
يا نافدا اللي حصلك من مجانيك = جابك عقاب الخيل ذيب العيالي
جابك صبي الجود من كف راعيك = في ساعةٍ تذهل عقول الرجالي
يا سابقي نبي نبعد مشاحيك = والبعد سلم مكرمين السبالي
يم الجنوب وديرته ننتحي فيك = لربعٍ من الأوناس قفرٍ وخالي

وبعد أن قال هذه القصيده رحل الى الربع الخالي كما ذكر في القصيدة ، وابتعد عن الأمير أبن
سعود ومحمد بن رشيد لئلا يأخذا جواد أبنه قسراً ، وعاد بعد أن أطمأن على جواد أبنه ، وبهذه الفتره بدأ يلمع نجم ذيب الخيل أبن شالح ، فأخذت الأنظار تتجه الى الفارس الشاب ، وزادت أخبار شجاعته أنتشاراً ، وأخذ الناس يتحدثون عنه ، وكان ذيب يسأل أباه ورجال الحي من قبيلة الخنافرة عن مصدر الخطر الذي يتوقعونه ومن أي جهة يمكن للعدو أن يفاجئنا منها ؟ فيقولون له من ناحية قبيلة عتيبه ، من الناحية الشمالية ، حيث تكون قبيلة عتيبه شمالاً عن الجهات التي تقطنها قبيلة قحطان ، فيقول ذيب لراعي أبله : أذهب بأبلي الى الشمال أي الى ناحية الخطر الذي يمكن أن يكون من قبيلة عتيبه ، ويتفوه بفخر وأعتزاز قائلا : سأحمي أبلي وأبل قبيلة الخنافرة من أي غاز كائناً من كان ، سواء من قبيلة عتيبة أو من غيرها .. فتذهب أبله وترجع سالمه ، ولا يمكن لأحد أن يتجرأ عليها مادام ذيب موجوداً عندها . ومما قيل عن شالح والد ذيب أنه اذا جلس في مجلسه وحوله رجال القبيلة ينادي أبنه ذيب فيأتيه الأبن البار المطيع مسرعاً ، ثم يقبله الأب الطيب كأنه طفل صغير ، وبعدما يقبله ينفجر باكياً ، وقد لامه قومه مراراً قائلين له : كيف تقبل ذيب بين الرجال كأنه طفل ثم تبكي ؟ فيجيبهم : دعوني أقبل ذيباَ وأبكي عليه وأودعه كل يوم ، لأنني أتخيل أن الدنيا ستحرمني منه ، لأن من كان يخوض غمار الحروب الطاحنة ويندفع مثل أندفاع ذيب المعركة لا يمكن أن يكون من أصحاب الأعمار الطويلة ولابد أن تختطفه يد المنون. ثم قال قصيدته المشهورة :

ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب = واليوم أنا بابكيك لو كنت حيا
وياذيب يبكونك هل الفطر الشيب = أن لا يعتهم مثل خيل المحيا
وتبكيك قطعانٍ عليها الكواليب = وشيال حمل اللي يبون الكفيا
وتبكيك وضحٍ علقوها دباديب = أن رددت من يمة الخوف عيا
ويبكيك من صكت عليه المغاليب = ان صاح باعلى الصوت ياهل الحميا
تنزل بك الحزم المطرف لياهيب = ان رددوهن ناقلين العصيا
انا اشهد انك بيننا منقع الطيب = والطيب عسرٍ مطلبه ما تهيا

ويلاحظ القارئ بيتاً من قصيدة أبيه حيث يقول :

تبكيك وضحٍ علقوها دباديب = أن رددت عن يمة الخوف عيا

فالواضح هي أبل ذيب بن هدلان ، ولونها أبيض ويسمونها الوضح ، أما الدباديب فهي شئ من الزينة يضعونه على سنام كل حائل من الأبل ، لقد زادته قصيدة أبيه شهرة في نجد ، وسارت بها وبأشعاره الأخرى الركبان ، وبعد أن أستفاض ذكر ذيب في نجد ، أخذت الغزاة يتحاشون الغارة على قبيلة الخنافرة خوفاً من ذيب حتى أن الأمير محمد بن هندي بن حميد قال لفرسان قبيلة عتيبة
أنا أوصيكم بأنكم اذا أغرتم على أبل العدو وسمعتم عندها من يعتزي بقوله : خيال البلها وأنل أبن دراج فلا تطمعوا بالأبل أنجوا بأنفسكم ، لأن هذه هي نخوة قبيلة الخنافرة من قحطان ، التي هي قبيلة ذيب بن هدلان ،وهذا دليل واضح بأن ذيب حامٍ لقبيلته ، مثل ما كان عنترة العبسي حامياً لقبيلة بني عبس .

ويقال أن الملك عبدالعزيز (طيب الله ثراه ) أغارت فرسانه على شالح بن هدلان ولم يعرف أن هذه أبل شالح ، وأبنه ذيب ، وكان فرسان الملك عبدالعزيز يعدون بالمئات ، أغارت هذه الفرسان على ظعينة شالح وأبنه ولم يكن حاضراً من القبيلة سوى ذيب ووالده وأخوته ، فأخذ ذيب يصد الخيل ببسالة متناهية بل وشجاعة فذة ، وقد أغارت عليه الخيل قبل بزوغ الشمس ، وأخذ ذيب يدافع عن ظعن أبيه وأبله… الى بعد صلاة العصر ، وهزم الخيل ، بعد أن قتل الأمير فهد بن جلوي ، أبن عم الملك عبدالعزيز ، الشجاع المعروف ، والأمير فهد بن جلوي هو صاحب
( الشلفا ) التي حربتها لا زالت في باب قصر عجلان المسمى ( المصمك ) بمدينة الرياض ، في اليوم الذي هاجم فيه الملك عبدالعزيز قوة بن رشيد التي بالقصر المذكور .
وأيضاً رمى ذيب بالأمير تركي بن عبدالله آل سعود أبن عم الملك عبدالعزيز رمى به على الأرض وجرحه بجنبه ، وجندل معه تسعة من الفرسان ، وكان ذيب في أوج المعركة يأمر رعيان أبله بأن لا يصلفوا بهجيجهم لئلا يتأثر أبوه ، وكان أبوه طاعناً في السن .
تخلص ذيب من فرسان الملك عبدالعزيز بفروسية لا يضاهيها أية فروسية ، فمن الذي يستطيع أن يحمي نفسه من فرسان الملك عبدالعزيز منفرداً حمى ظعينة أبيه بقوة ساعده ، وبضرباته الهائلة ، لا شك أن هذه المعجزة تجلت بصحراء نجد ، سجلها شاب من قبيلة قحطان ، القبيلة العريقة ، لقد نشأ هذا الشاب وترعرع بصحراء نجد القاسية ، وسجل هذه المفخرة وعمره لا يتجاوز الثانية والعشرين سنة ، على أول طرة شاربه ، لا شك أنه ينطبق على هذا الشاب بيت عنترة العبسي حيث يقول :
خلقت من حديد أشد قلباً = وقد بلى الحديد وما بليت
وعندما رجعت خيول الملك عبدالعزيز التي أغارت بدون علمه وأخبره رجالها أنهم رجعوا تحت ضربات ذيب الهائلة ، تأسف الملك عبدالعزيز وقال : لو عرفت أن الظعينة هي ظعينة شالح بن هدلان لأمرتهم بالرجوع عنها ، لأنه شخص طيب ، ولا أحب أن أفاجئه هو وأبناؤه عند محارمهم وعند أبلهم ، وأرسل الى شالح كتاباً يقول فيه : أنني قد عفوت عنه ، وله الأمان ، وعليه أن يرجع بالسمع والطاعة ، فرجع شالح بعد أن أمنه الملك عبدالعزيز وحماه ، وحذر أقاربه من آل سعود بأن لا يفكروا بأخذ الثار من ذيب بن شالح ، وسمح لذيب أن يأتي ويسلم عليه وفعلاً حماه وأكرمه ، ولم يمس بسوء ، وقال الملك عبدالعزيز : أنني كنت أود أن أرى هذا الشاب العجيب ، ولا شك أنه دافع عن والده ، وعن محارمه وأبله ، وكان مظلوماً . هذه عبقرية الملك عبدالعزيز ، لقد عفا عن ذيب قاتل أبناء عمه ، وهازم فرسانه ، نعم عفا عنه وقال : أنه مظلوم ، مظلوم ، لأنه لم يبدر منه أي ذنب يستحق التأديب عليه . ان الملك كان منصفاً ، فهو يقول الحق ولو كان على نفسه ، ويعترف بالفضيلة ويسعى اليها ، لا شك أن عبدالعزيز عظيم ، ويعفو عن العظائم ، لقد ضرب مثلاً رائعاً للعفو ، ولا شك أن ما قاله أبو الطيب المتنبي يتطبق على الملك عبدالعزيز :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم = وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها = وتصغر في عين العظيم العظائم

وقد أكد لي بعض الحاضرين أن الملك عندما أغارت خيله على شالح وأولاده ، ما كان عنده علم
بهم ، بل يظن أنهم من الأعداء الأخرين . وعندما أنتهت المعركه بين ذيب وفرسان الملك عبدالعزيز ، أناخ ذيب ظعينة أبيه وقبله بين عينيه ، وهنأه بالنصر ، وقال له الوالد الطيب : هذا بمشيئة الله ثم بساعدك ياذيب ، بارك الله فيك ، وأسأل الله أن لا يفجعني بك ، وأخذ شالح ينشد أبياتاً قائلاً : انك يا عبدالعزيز أفرحت علينا أعدائنا ، قاصداً قبيلة عتيبة ، لأنه يشعر أنهم هم أعداؤه وأعداء قبيلة قحطان ، لأن الحروب كانت بينهم مستمره آنذاك ، والأبيات هي :

ياشيخ فرحتوا علينا العداة = اللي بذمة حكمكم ما يدارون
غرتوا علينا الفجر قبل الصلاة = وحنا عددنا خمسةٍ أو بعد دون
من صلب أبوي وباللوازم شفاة = ماهم فريق هديهدٍ يوم يأتون
يانا فدا اللي ما يضيع وصاتي = ما يسند الا عقب طاعن ومطعون
سو على ركابة المكرمات = وبظهورهن يروي شبا كل مسنون
ويلكد ملاكيد العديم الزناة = وياويلكم يللي بوجهه تقيفون
خلي عشا للجوع الحايمات = من فعل ذيب أهل الرمك عنه يقفون
وياشيخ لا تسمع كلام العداة = أسفه كلام المبغضه لو يقولون
أطلب لحكمك بالسعد والثبات = بجاه معبود لبيته يحجون
لعل ما يبكنك النايحات = ياللي على عورات أهل نجد مامون

ولم ينسى ذيب الأبن البار أباه ، فعندما حط رحالهم بعد المعركة ، عمد الى أبله وعقر حائلاً منها وأخذ يشوي من طيب لحمها لأبيه ، ولجاره الدوسري ، ويقدمه لهما وهما يحتسيان القهوة ، وكان
هذا الدوسري صديقاً لشالح بن هدلان منذ عهد بعيد ، وكان شالح لايحب أن يفارقه ، والصداقه بينهما قوية الروابط ، وفي أثناء المعركة ، عندما يكر فرسان الملك عبدالعزيز على ذيب يصيح شالح بأعلى صوته وينادي أخيه الفديع ، الذي مضى على وفاته أكثر من عشرين سنة ، وينخاه ولم يتكلم عن ذيب ، وفروسيته الفذه ، وعندما أنتهت المعركة جعل الدوسري يلوم شالحاً ويقول له : كيف تنخى أخاك وهو ميت منذ عشرين سنة ولا تنخى أبنك الذي أبلى بلاء حسناً ، وهزم خيول الملك عبدالعزيز ؟ فيجيبه شالح قائلاً : أن ذيب حتى الأن لم يلحق ما لحقه عمه من الشجاعة ، لذلك فأنا سأبقى ذاكراً أخي الفديع في كل ملمة الى أن أقنع بشجاعة أبني ذيب ، ويثبت لي أنه أكفا من عمه ، هذا ما يقوله شالح . أما أنا فأقول للقارئ : ان الذي دافع عن ظعينته وأبله وحماها من فرسان الملك عبدالعزيز أنه لا يعادله أي فارس من الفرسان في زمانه .
وهنا يطيب لي أن أذكر طرفاً من بر ذيب بوالده : ان بر ذيب بوالده شالح لم يسبقه أحد اليه ، ولابد أن القارئ قد عرف أن ذيباً قد ذبح لأبيه حائلاً ليشوي من لحمها له ، ولم يثنه عن ذلك عناء المعركة وما لحقه من الأجهاد ، والآن أحدث القارئ عن سيرته التي أستقيتها من المعاصرين لذيب ، كان ذيب لا ينام أبداً وأبوه لم ينم ، وكان يجلب لأبيه الحليب من الأبل وعندما يأتي به اليه ويجده نائماً يبقى واقفاً وواضعاً الاناء على يده وربما حام حول أبيه وذكر الله بصوت منخفض
الى أن يستيقظ أبوه ، ثم يقبل جبينه ، ويناوله الحليب ، ولا يرضى أحد غيره يقدم أي شي من الغذاء بل هو المسئول الوحيد عن تقديم طعام ابيه وخدمته ، ويقال أنه عندما يرحل الظعن يركب مطيته ويذهب أمام ظعينة أبيه ، وعندما يصل الجهة القابلة للمنزل يصطاد من الغزلان أو من الأرانب أو من الحباري ثم يعده لأبيه قبل أن يصل وكذلك يعد له القهوة ، وكان دائماً يحمل أنية طعام أبيه وآنية القهوة على راحلته وعندما يقبل الظعن يستقبل أباه ويهلي ويرحب به كأنه ضيف عزيز عليه ، ويمسك بخطام راحلته وينيخها عند محل جلوسه المعد مسبقاً ، وعندما يترجل والده يقبل جبينه ثم يجلسه تحت ظل شجرة قد أختارها ، واذا لم يجد شجرة يقال أنه يعمل مظلة من الأعشاب لتظل أباه من حرارة الشمس ، الى أن يعدوا بيوتهم ، وعندما يجلس شالح يقدم له أبنه القهوة وبعدها يقدم له لحم الصيد ويقول لأبيه بهذه اللهجة تناول يا أبن هدلان حياك الله فيجيب شالح أبنه : بارك الله فيك ياذيب ،
وذات يوم لم يصطد من الصيد شيئاَ ، وقد أقبل أبوه يتقدم الظعينة ، وبقي ذيب حائراً متحسراً بماذا يقابل أباه وأخيراً أستقر رأيه على أن ينحر مطيته ( الأصيل ) التي يعادل ثمنها خمساً من الأبل ، وفعلاً أخفاها بين الشجر لئلا يراها والده ونحرها ، وأخذ من طيب لحمها وطهاه بالاناء الذي عاده يقدم به لحم الصيد لوالده ،وعندما وصل شالح وأستقبله أبنه كعادته قدم له الأكل ، بعد أن صب له من القهوة ، وعندما تصاعدت رائحة لحم البعير عرف شالح أن هذا ليس بلحم صيد ، فقال لأبنه : ماهذا يا ذيب ؟ قال ذيب : ( شبب يابه ) وهذه لغة قحطان ،أي أن هذا رزق من الله يا أبت ، فكرر أبوه السؤال وكرر الأبن الأجابة ثم عرف الوالد النتيجة فقال لأبنه : ذبحتها يا ذيب
فقال ذيب : هي تفديك يا أعز والد وعوضها سيكون من حلال القوم آتي به اليك ، ثم قال لأبيه : أنا لا أستطيع أن أستقبلك مالم أقدم لك شيئاً من الأكل ، وأقسمت على نفسي أن أستمر على هذه الحالة الى أن يتوفاني الله ، فتأوه والده ثلاث مرات وقال : يا لهفي بعد فرقاك يا ذيب ، لقد أشتهر ذيب ببره لوالديه ، ووفائه مع أصدقائه ، وعطفه على جيرانه ، وكرمه الحاتمي ، وذات ليلة كان هو ووالده ساهرين ، وكان والده يداعبه ويلقي عليه بعض الأشعار فأنشد عليه هذه الأبيات :

ياذيب أنا يا بوك حالي تردى = وأنا عليك من المواجيب يا ذيب
تكسب لي اللي لا قح عقب عدا = طويلة النسنوس حرشا عراقيب
تجر ذيل مثل حبل المعدا = وتبرى لحيرانٍ صغارٍ حباحيب
وأشري لك اللي ركضها ما تقدا = ما حدٍ لقى فيها عيوب وعذاريب
قبا على خيل المعادي تحدى = مثل الفهد توثب عليهم تواثيب
أنا أشهد أنك باللوازم تسدا = وعز الله أنك خيرة الربع بالطيب
ياللي على ذيب السرايا تعدا = لو حال من دونه عيال معاطيب
ليثٍ على درب المراجل مقدى = ما فيك يا ذيب السبايا عذاريب

وبعد أن قال والده هذه الأبيات بطريقة المزاح أسرها الأبن ذيب في نفسه ، وعندما نام والده وأطمأن ذيب أنه قد أخذ في النوم ، ذهب خفية وركب قلوصه ، وذهب لبعض أصحابه من الشبان وأمر عليهم أن يرافقوه ، فشدوا مطاياهم وركبوا مع ذيب ، وعددهم لا يتجاوز خمسة عشر شاباً وكلهم يأتمرون بأمر ذيب ، وبعد ذلك سألوا ذيب الى أين نحن ذاهبون ؟ فقال : الى ديار القوم ، وأشار الى قبيلة عتيبة لنكسب منهم أبلاً لأهلنا ، وقال : لا بد أن آتي لوالدي من خيار أبل عتيبة ، وأستمروا بسيرهم ، وبعد ثلاثة أيام قصدوا بئراً في ديار عتيبة ليستقوا منها الماء ، ويسقوا رواحلهم ، وهذا البئر يسمى ( ملية ) وهو يقع غرباً عن جبل ذهلان ، بأواسط نجد ، وعندما أنحدروا عليه من جبل يطل عليه ، رأوا عليه ورد من عتيبة يستقون ، فأراد ذيب ورفاقه أن
يرجعوا لئلا يروهم فينذروا القبيلة بهم ، وكان من السقاة صياد أخذ بندقيته وتوجه الى الوادي الذي أنحدر منه ذيب ورفاقه باحثاً عن الصيد ، وعندما رأى ذيباً وجماعته أختفى تحت شجرة وأطلق عليهم عياراً نارياً ، فأراد الله أن تصيب ذيب أصابة مميته ،
لقد حلت الكارثة الكبرى على الشيخ الطاعن بالسن شالح بن هدلان ، أنه فقد كل أمل في الحياة ، فقد كل ركن على وجه الأرض ، فقد الشجاعة الفذة ، فقد الكرم الحاتمي ، فقد الأبن البار ، فقد الأبن المطيع ، لقد خر ذيب صريعاً وودع الخيل وصهيلها ، وودع الأبل وحنينها ، وودع أباه الذي هو بحاجة الى بره وعنايته ، ترك ذيب شالحاً حزيناً ، وودع ذيب قحطان المجيدة ، وودع سنانه ورمحه وبندقيته ، ونقع الخيل وهزج الأبطال ، ودع ذيب نجداً العزيزة ورياضها ، وودع غزلان الريم والأرانب وطيور الحباري التي كان يصطاد منها لوالده ، لقد أنقشعت هالة الفضل التي كانت تحيط الشيخ شالح بالحنان والبر والفضيلة التي ضربت أروع مثلاً بين الأبناء والأباء ، بعدما سقط ذيب على الأرض أناخ رفاقه مطاياهم وتسابقوا اليه وضموه على صدورهم ، فوجدوه جسماً بلا حياة ، وأنهالوا عليه بالقبل ، وودعوه بدموعهم الساخنة ، ثم وضعوه بكهف بجانب الوادي ، وقفوا راجعين الى أهليهم ،
أما الصياد الذي أطلق النار على ذيب فقد ظل مختبئاً تحت الشجرة ، الى أن رأى الركب قد ولى فأتى الى مكانهم ووجد الدم يلطخه ، ثم عمد الى ذيب وهو بكهفه ، وعندما رآه وجده شاباً وسيم الطلعة ، وفي خنصره الأيمن خاتم فضي ، وكانت رائحة الطيب تعج منه ، وكان لباسه يدل على أنه شخصية بارزة فرجع الى جماعته الذين يستقون من البئر ، فسألوه عن الرمية التي سمعوها عنده ، فقال أن ركباً من الأعداء أنحدروا من الوادي وبعد أن رأوكم نكصوا راجعين فأطلقت عليهم عياراً نارياً قتل منهم شخصاً تبين لي أنه زعيمهم ، وقد وضعوه في كهف بجانب الوادي ، فقالوا ما دلك على أنه زعيم ؟ فبين لهم أوصافه ولباسه الذي عليه ، وأن في خنصره خاتماً فضياً فقالوا : هيا بنا لنراه ، وكانوا من قبيلة برقا أحد جذمى عتيبة ، وكان معهم فتاة فد جلا أهلها منذ سنة الى قبائل قحطان لأسباب حادثة وقعت بينهم وبين بعض قبائلهم من عتيبة ، وعندما رأوا ذيب بالكهف ورأته الفتاة صاحت بأعلى صوتها وقالت : ويحك هذا ذيب بن شالح بن هدلان الذي كنا بجواره بالعام الماضي ، فشتموها وقالوا ربما أن بينك وبينه صداقة ولهذا السبب صحتِ بأعلى صوتك ، فقالت : لا والله لم يكن بيني وبينه أي شي من هذا ، ولكن أكرمنا وأعزنا وأجارنا وكان لا يأتي من الفلا الا ومعه صيد ويأتي بقسمنا نحن جيرانه حامله بيده ، وعندما يقترب من بيوتنا يغض نظره الى الأرض ثم يضع ماجاء به من الصيد ويدبر دون أن يرفع طرفه بأمرأة من جيرانه ، وهذه طريقته بالحياة ، وعليكم أن تسألوا عن خصاله ، وينبئكم عن ذلك من عرفه ، فهو بعيد كل البعد عن الرذيلة ،
ما أكبر المصاب على شالح ، لما وصل رفاق ذيب وأخبروه بما حدث ، لاشك أن خطب شالح عظيم ، وأن وقع نبأ مصرع أبنه على قلبه أشد وأنكى من طعن الحراب ، ولا شك أنه سيجرع ويلات الحزن ومرارته ، ومآسي الفراق ولوعاته ..

واذا المنية أنشبت أظافرها = ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع

أنها كارثة كبرى ، ليست على شالح فقط ، بل على عائلة آل هدلان وعلى قبيلة الخنافرة وعلى قبيلة قحطان الكبرى ، وقد قال شالح أشعاراً كثيرة بعد وفاة أبنه ، وأول ما قال هذه القصيدة :

يا ربعنا ياللي على الفطر الشيب = عز الله أنه ضاع منكم وداعه
رحتوا على الطوعات مثل العياسيب = وجيتوا وخليتوا لقلبي يضاعة
خليتوا النادر بدار الأجانيب = وضاقت بي الأفاق عقب أتساعه
تكدرن لي صافيات المشاريب = وبالعون شفت الذل عقب الشجاعة
يا ذيب أنا بوصيك لا تأكل الذيب = كم ليلةٍ عشاك عقب المجاعة
كم ليلةٍ عشاك حرش العراقيب = وكم شيخ قومٍ كزته لك ذراعه
كفه بعدوانه شنيع المضاريب = ويسقي عدوه بالوغى سم ساعه
ويضحك ليا صكت عليه المغاليب = ويلكد على جمع العدو باندفاعه
وبيته لجيرانه يشيد على الطيب = وللضيف يبني في طويل الرقاعه
جرحي عطيب ولا بقى لي مقاضيب = وأفخت حبل الوصل عقب أنقطاعه
كني بعد فقده بحامي اللواهيب = وكني غريب الدار مالي جماعه
من عقب ذيب الخيل عرج مهاليب = ياهل الرمك ما عاد فيهن طماعه
قالوا تطيب وقلت وش لون أبا طيب = وطلبت من عند الكريم الشفاعه

وأردفها بهذه القصيدة وعلى نفس البحر والقافية ، وقد رويتها عن الأمير عمر بن سلطان أبا العلا وأكد لي أنه رواها عن والده سلطان الذي عاصر شالح وأبنه ذيب ، وبهذه القصيدة الأخيره لم يخف آلامه ولواعجه ، فجاوب الذئاب بعويلها ، ثم رجع الى خالقه وطلب منه الفرج ، ثم لام نفسه وأعترف بأنه هو السبب بتحريض أبنه على غزوته المشؤومه ، وبعد ذلك عزى نفسه بركوبه الهجن ، وأنه يتقدم بها على أعدائه حتى ينيخها على مقربة من بيوت الكبار ، ويتخطى الأطناب ، ويكسب الناقه الحائل التي تهاوي الجمل ، وتجعل منه خليلاً لها ، وأخيراً أخذ يوصي جماعته بأن يختاروا ( المناسب ) الطيبة ليأتيهم أولاد طيبون نجباء وقال لهم : ان الردي تأتي بولد لا يهمه أكثر من نفسه ، وأن يشبع بطنه ، ردي الهمه ميت الأنفه ، تافه الشخصية ،
وهذه هي القصيدة :

ذيب عوى وأنا على صوته أجيب = ومن ونتي جضَت ضواري سباعه
عز الله أني جاهل ما أعلم الغيب = والغيب يعلم به حفيظ الوداعه
يالله يا رزاق عكف المخاليب = يا محصي خلقه ببحره وقاعه
تفرج لمن صابه جروح معاطيب = وقلبه من اللوعات غادٍ ولاعه
ان ضاق صدري لذت فوق المصاليب = مانيب من يشمت فعايل ذراعه
صار السبب مني على منقع الطيب = ونجمي طمن بالقاع عقب أرتفاعه
يا طول ما هجيتهن مع لواهيب = ولاني بداري كسرها من ضلاعه
ويا طول ما نوختها تصرخ النيب = وزن البيوت اللي كبار رباعه
وأضوي عليهم كنهم لي معازيب = اليا رمى زين الوسايد قناعه
أضوي عليهم وأتخطى الأطانيب = وآخذ مهاوية الجمل باندفاعه
أبا أنذر اللي من ربوعي يبا الطيب = لا ياخذ الا من بيوت الشجاعة
يجي ولدها مذرب كنه الذيب = عز لبوه وكل ما قال طاعه
وبنت الردي يأتي ولدها كما الهيب = غبنٍ لبوه وفاشله بالجماعة
ياكبر زوله عند بيت المعازيب = متحري متى يقدم متاعه

وبقي شالح حزيناً كظيماً يسهر أيامه ولياليه ، ولا يفارق نار قهوته ، وذات ليلة وهو ساهر مع أحزانه ، كان شخص من قحطان يسمى الهويدي قد ضاع صقره ، وأخذ يبحث عنه بالليل ويسأل رافعاً صوته كلما مر بنار قطين منادياً ( من عين الطير ) فعرفه شالح وسكت عنه أول مرة ، ثم عاد اليه مرة ثانية ماراً ببيته ، بعد أن مر بنيران الحي وسأل عن طيره ، ثم أستمر بسؤاله ماراً بكل نار يراها ، وعاد لشالح للمره الثالثه فناداه شالح والهويدي لا يعرف أن النار هي نار شالح ، وعندما دعاه لكز هجينه بعقب رجله وجاء مسرعاً ظناً منه أن المنادي سيبشره بصقره ، وعندما أناخ هجينه وأقترب من المنادي ، تبين له أنه الأمير شالح بن هدلان والد ذيب ، الذي لا زال يصارع أحزانه ، فأعتذر الهويدي لشالح ، وأقسم له بالله أنه لا يعرف أن هذه النار هي ناره ، ثم قبل جبينه معتذراً وطالباً السماح ، فأذن له بالجلوس من حوله ، وأخذ شالح يصب له القهوة ، ثم قال هذه الأبيات :

أن كان تنشد يالهويدي عن الطير = الطير والله يالهويدي غدا لي
طيري عذاب معسكرات المسامير = أن خل عند قطيهن الجفالي
أن جا نهار فيه شر بلا خير = وغدا لهن عند الطريح أجتوالي
ان دبرن خيل وخيلٍ مناحير = وغدن مثل مخزمات الجمالي
على الرمك صيده عيالٍ مناعير = وشره على نشر الحريب الموالي
يضحك ليا صكت عليه الطوابير = طير السعد قلبه من الخوف خالي
خيالنا وان عرجدن المظاهير = وزيزوم عيراتٍ طواها الحيالي
غيثٍ لنا وان جت ليالي المعاسير = وبالشح ريفٍ للضعوف الهزالي
يسقي ثراه من الروايح مزابير = تمطر على قبرٍ سكن فيه غالي

لا شك أن طير شالح يصيد أفذاذ الرجال ، كما قاله في أشعاره ، اما طير الهويدي فهو لا يصيد الا الأرانب والكروان ،
رحم الله شالحاً وأبنه ذيباً ، لأنهما سجلا مفاخر قيمة لكل من يقطن نجد ،، أننا نودعهما بالرحمة ودعوات الغفران ، ونشيعهما بما يشيع الأبطال المغاوير ، الذين أبقوا لهم ذكراً في الآخرين ، شجاعة وكرماً وشمماً وطيب أحدثوه .


المصدر : كتاب أبطال من الصحراء – محمد الأحمد السديري – صفحة 131

Share

Be First to Comment

    اترك تعليقاً