خلف الأذن

AMS


خلف الأذن
بقلم الأمير محمد الأحمد السديري


نسبه – فروسيته – شعره – الوضيحي مع خلف وشعره في ذلك – الشاعر بن قويفل – خلف الأذن مع مشائخ قومه آل شعلان – حروب قبيلته مع أبن مهيد – قتل تركي بن مهيد – أبن مهيد من أبرز الشخصيات وأكرمها – الشعر في مقتل بن مهيد – أسر محدى الهبداني – شعر في ذلك – قتل مشائخ بني صخر – فهد بن جزاع وعداوته لخلف الأذن – قصة جواد خلف – خلافه مع النوري – شعره في ذلك – وفادته على سعود بن رشيد – قصته مع زامل وشعره في ذلك – قتله من قبل غزاة من شمر – لجوء أبن عدلان من شمر الى خلف وأكرامه له وهو مقطوع الأيدي – اغارة آل زيد من آل شعلان قبيلة خلف على التومان من شمر وقتلهم فيصل بن سند الربع زعيم التومان …….. الخ .


هو الفارس الصنديد والشاعر المجيد ، خلف الزيد الأذن الشعلان من عائلة آل شعلان الكبيرة رؤساء قبيلة الرولة المشهوره من عنزة ، هذه العائلة تنقسم الى أربعة أفخاذ ، آل نايف والرئاسة متسلسله فيهم الى الآن ، وآل مشهور وآل مجول وآل زيد الذين منهم خلف الأذن ، وعائلة الشعلان مشهوره بين القبائل وقد برز منهم عدد من الأبطال كانوا مضرباً للامثال بالشجاعة ، وقد قال شاعر شمر بصري الوضيحي متحدياً معرضاً هذه الأبيات وذكر فيها مجولاً والدريعي ، مجول جد آل مدول ، والدريعي جد آل مشهور ، والأبيات كما يلي :

أبا أتمنى كان هي بالتماني = صفرا صهاة اللون قبا طليعي
وسروال تومان ومثل الشطاني = ومصقلٍ مثل الثغب له لميعي
أبي ليا لحق الطلب له غواني = والخيل معها مجول والدريعي
أردها وان كان ربي هداني = من المعرقة ياتي على الخد ريعي
أردها لعيون صافي الثماني = بيض النحور مهلكات الرضيعي
قدام شمر مثل زمل الصخاني = اللي يخلون المخالف يطيعي

وقد قدر للوضيحي أن يغزو مع بنيه الجربا شيخ شمر على الرولة من عنزة ، قبيلة آل شعلان التي منها مجول والدريعي ، فقد أغار (بنيه ) هو وفرسانه على أبل الرولة وأخذوها ، ولحقهم الدريعي ومجول كما تمنى الشاعر بصري الوضيحي ، ومعهم فرسان من قبيلة الرولة ليخلصوا الأبل من شمر ، ففكوا الأبل وراحوا يطاردون الجربا وفرسان شمر وقد حمي الوطيس بينهم ، ويقال أن الدريعي بن شعلان ضرب فارساً من فرسان شمر بالسيف وطار رأسه من على منكبيه وعندما رآه بصري الوضيحي دهش من هول الضربة ، فولى هارباً وترك قومه ، وقد دافع فرسان شمر دفاعاً بطولياً وتخلصوا من فرسان الشعلان ، وعندما وصل ( بنيه ) الجربا مضارب عشيرته ، كان غاضباً على بصري الوضيحي لما رآه من جبنه وفراره ، فدعاه ليحقق معه وليؤنبه على فراره ، وعندما سأله أجاب الوضيحي بهذين البيتين على بحر وقافية الأبيات التي قبلها :

أنا بلاية لا بسين القطاني = اللي يخلون المخالف يطيعي
من فوق قب مكرمات سماني = يشدن شياهين تخطف مريعي

وبعد أن سمع كلامه ، حكم عليه أن يغسل جواده بالصابون ثلاث مرات بين فرسان شمر ، ليطهر جسمها ، لأنه لا بستحق ركوبها ، وكانت هذه الفرس من الخيل الخاصة ( لبنيه ) الجربا ، ثم قال فيهم أحد شعراء شمر المسمى أبن قويفل :

يا مزنة غرا تقافي رعدها = تمطر على دار الدريعي ونايف
خله على الوديان تذهب ولدها = بديار مكدين المهار العسايف
تملا الخباري للدريعي بردها = بقطعان عجلات على الما زهايف
يا ذيب يا شاكٍ من الجوع عدها = كان أنت لرماح الشعالين ضايف
تلقى العشا صفراً صخيفٍ جسدها = من كف ستر معطرات العطايف
وكم سابقٍ بالكف عاقوا جهدها = مضرابها بالجوف ما هو مسايف
من كف شغموم ورد من هددها = أو شايبٍ شيبه من الخيل هايف
كم قالةٍ قفوا بها ما بعدها = راح يتولاها الدريعي ونايف
حالوا وراها ودونها هم لددها = وقد عوضوا طلابها بالحسايف
تنشبت محدٍ يحلل عقدها = ومن دونها يروون بيض الرهايف

ثم قال فيهم أبن قويفل أيضاً هذه القصيدة وذكرهم جميعاً :

اللي يكفون الشوارب بالأيمان = هبيت يا حظٍ تنحيت عنهم
أقفيت عن ربعك عيال أبن شعلان = اللي كما شل الروايا طعنهم
ما ينتخون الا بعليا وعليان = وأن حل ضرب مخلصٍ جيز منهم
لباسةٍ عند المظاهير شيلان = صديق عينك ما يطيح بحضنهم
نزل الخلا ما هم فراقين سكسان = ما سقسقو للعنز تتبع ظعنهم
قطعانهم وان شرقت تقل غزلان = وان غربت مثل البرد هاك عنهم
القلب ما ينسى طويلين الأيمان = اللي يقزون العدو عن وطنهم

وقد قيل في آل شعلان أشعار كثيرة ، ولهم تاريخ حافل بالبطولات والكرم الفياض .
ونرجع الى الشيخ خلف الأذن ، فالمذكور عاصر ثلاثة من أبناء عمه آل نايف الذين فيهم الرئاسة وهم سطام الحمد ، وفهد الهزاع ، والنوري الهزاع ، وقبل هؤلاء المشايخ وفي مطلع شبابه كان قد ادرك آخر حياة الشيخ فيصل بن نائف الشعلان شيخ قبيلة الرولة ، وغزا معه مرة واحدة ، قتل فيها الشيخ العواجي ، وكان هؤلاء المشايخ لم ينسجم معهم خلف الاذن ، ودائماً والخلافات قائمة بينهم ، والسبب لذلك هو شخصية خلف الفذة وطموحه وشجاعته ، فأبناء عمه الرؤساء يأمرون احياناً بأوامر لايستسيغها ويرفضها ، ولذلك فهم يحقدون عليه وليس باستطاعتهم ان ينفذوا أوامرهم عليه بالقوة ، لانه لايمكن ان يتجرأ عليه احد ، ثابت الجنان ، وشجاع فذ ، وصارم فتاك ويلتف حوله ابناء عمه آل زيد ، وكلهم ابطال ، ومن ناحية اخرى فهم يحترمونه لهذه الخصال التي ذكرناها ويذخرونه للملمات ، لانه برز بشجاعته وتفوق بفروسيته ، وجندل من اعدائه عدداً كبيراً ، وكان لا يقتل إلا الفارس الذي له شهرة وقد قتل عدداً من شيوخ القبائل وسوف نأتي بذكرهم ، وبعد أن قتل هؤلاء المشائخ سميي بأبي الشيوخ ، أي قاتل الشيوخ ، ولازال معروفاً بنجد بهذا الاسم ، فإذا قيل الشيخ خلف الأذن ، أضافوا إليه أبا الشيوخ .
وفي عهد مشيخة سطام بن شعلان أغار الشيخ تركي بن مهيد شيخ قبيلة الفدعان ، على إبل عائلة الزيد الشعلان ، وهم غائبون عنها ، وأخذ أبلاً كثيرة منهم ، ومن ضمنها ، إبل ابن عم خلف الأذن ، المسمى ( عرسان أبو جذلة ) آل زيد ، وهذه الإبل مشهورة بنجد ، وتسمى ( العلي ) وألوانها وضح أي بيض ، وقد تأثر عموم الشعلان لهذا الأمر، إلا أن الشيخ سطام بن شعلان رئيسهم يعارضهم بذلك ، لأنه مصاهر للشيخ تركي بن مهيد ، زوجته تركيه أخت الشيخ تركي بن مهيد ، ولا يحب أن يقع بينه وبين أصهاره خلاف ، ويود أن يفاوض تركي بن مهيد ويحل القضية حلاً سلمياً ، ولكن تركي بن مهيد رفض كل عرض عرضه سطام الشعلان ، وتأزمت القضية وأصر خلف الأذن وأبن عمه عرسان أبو جدله وبقية آل زيد على أن يأخذوا ثأرهم من أبن مهيد بالقوة ، وأخيراً أنضم إليهم عموم آل شعلان ، وأنضم إليهم عموم مشائخ الرولة ، وقد تحير في الأمر الشيخ سطام ، لأنه يكره أن يهاجم صهره الشيخ تركي بن مهيد ، بصفته هو رئيسهم ، وإن لم يعمل بذلك فليطلبوا من النوري بن شعلان أن يقودهم لمهاجمة تركي بن مهيد وأخذ الثأر منه ، وأسترجاع الأبل منه ، ولابد من تنفيذ أحد الأمرين .. وعندما أتوا الشيخ سطام وعرضوا عليه ماقرروه ، وعرف أن الأمر جد ، وكان الشيخ سطام من أدهى الرجال وأذكاهم ، ومن أحذرهم وأحذقهم وكان مخفياً لأسراره ، وقد قال به أبن عمه محمد بن مهلهل بن شعلان قصيدة هذا بيت منها :

يمشي مع الضاحي ويخفي مواطيه = ويكمى السحابه وأنت توحي رعدها

يعد أن لاحظ تصميم عموم آل شعلان أبناء عمه قرر أن يكون معهم ، وأن يكون زحفهم الصباح ، وكان بن مهيد على مقربة منهم ، وأرسل شخصاً بصفة سريه لينذر أبن مهيد ، ولكن ابن مهيد عندما وصل إليه الرسول وأخبره بكلام صهره سطام قال له أرجع إلى سطام وأخبره بأنني لست ممن يقعقع له بالشنان … فلن أبرح مكاني هذا حتى أردهم خاسرين ، وكان شجاعاً ومقداماً ، وقد سبق السيف العذل ، وحصل الهجوم الكبير من قبائل الرولة ، وظهرت كراديس الخيل ، وفي مقدمتهم فرسان آل شعلان ، وأولهم النوري الهزاع ، وخلف الأذن أبا الشيوخ ، وحصلت المعركة وحمي الوطيس ، وكان تركي بن مهيد لابساً درعاً وخوذة ، وقد وقف بالميدان موقف الأبطال ، وعجز الفرسان أن يتغلبوا عليه ، وقد أختار خلف الأذن تلاً عالياً ووقف عليه ، على صهوة جواده المسماة ( خلفة ) ولم يشترك بالمعركة إلا بعد أن لاحظ عجز الفرسان عن التغلب على تركي بن مهيد ، عندها أنقض عليه واختطفه من فوق جواده وترجل به على الأرض وضربه بسيفه ( شامان ) على أنفه ، إلى أن طار أنفه ، وتركه وراح يطارد بقية الفرسان ، بعد أن قال لمن حوله من فرسان قبيلة الرولة : إن هذا تركي بن مهيد ، وقصده من ذلك أن يقتله من كان حاقداً عليه ، وقد تداعى عليه فرسان الرولة وقتلوه وكان خسارة كبرى على قبيلة الفدعان ، وهو من أشجع الرجال ، وكان يضرب به المثل بالكرم الحاتمي ، ويسمونه ( مصوت بالعشا ) ، أي أنه بعد المغرب يأمر أحد رجاله فيعلو مرتفعاً من حوله ثم يرفع صوته منادياً من كان يريد العشا فليتفضل ، هذه من خصال المرحوم الشيخ تركي بن مهيد ، وبعد أنتصار الشعلان وقتلهم أبن مهيد وأخذهم جميع أمواله ، وأموال قبيلة الفدعان ، وسترجاع الإبل ( العلي ) إبل ( عرسان أبو جذلة ) ابن عم خلف الأذن قال خلف هذه القصيدة ، مفاخراً بها ، وملمحاً بها عن الموقف :

حنا عصينا شيخنا من جهلنا = الشيخ شيال الحمول الثقيله
وارخص غلاهم واشتري به زعلنا = الله يمهل به سنين طويله
وأنا أحمد الله طار عنا فشلنا = جعل مصبه فوق راس الغليله
إن قدم المركب وعنده حقلنا = كم راس شيخٍ عن كتوفه نشيله
هذي فعول جدودنا هم وأهلنا = بالسيف نقدي تايهين الدليله
ما ننعشق للبيض لو ما فعلنا = ولا تلكد بعقوبنا كل أصيله

وعندما علم محدى الهبداني الشاعر المشهور بمقتل الشيخ تركي بن مهيد ، وكان محدى من أصدقاء والد تركي الشيخ جدعان ، قال هذه القصيدة يتوعد خلف الأذن بأخذ الثأر :

يا خلف الآذان بالك تغبا = يذكر لنا عندك قعودٍ جلابه
بالحرب عندي لك حمولٍ تعبا = وبيني وبينك يالرويلي طلابه
إن ما خذينا الثار وإلا نهبا = ويبقى علينا عقب تركي جنابه
نصبر ولا بد الهبايب تهبا = ونجيك فوق القحص مثل الذيابه
نريد ثار اللي ببطنك مسبا = شيخ الشيوخ اللي عزيزٍ جنابه

فأجابه خلف الأذن بهذه القصيدة :

كان أنت يا محدى لعلمي تنبا = عيبٍ على اللي ما يثمن جوابه
أنشد وتلقاني على سرج قبا = مع سربة الآذان والا الشيابه
قب لعصمين الشوارب تربى = يا ما غدا بظهورهن من طلابه
كم شيخ قومٍ من طعنا تكبا = وعدونا سم الأفاعي شرابه
أشبع عيالك جعل قلبك يهبا = شاعر نور تلعب على أبو عتابه
لو أنت من حصن الرمك ما تشبا = من عذرة الساجور واللي ربابه

ومن الصدف الغريبة أن محدى الهبداني غزا قبيلة الروله مع غزية من قبيلة الفدعان ، وهاجموهم وأخذوا منهم عدداً من الإبل ، وهبت قبيلة الروله لتخليص أبلهم ، وفعلاً هزموا قبيلة الفدعان المغيرين ، وخلصوا ابلهم ، وأسروا عدداً من فرسان الفدعان ، ومن بين المأسورين
( محدى الهبداني ) ، أسره أحد فرسان الروله ، وأخذ جواده منه ، وكان محدى الهبداني صديقاً للشيخ محمد بن سمير شيخ قبيلة ( ولد علي ) من عنزة ، وبعد أن علم بذلك خلف الأذن أرسل إلى محمد بن سمير هذه القصيدة :

يا راكبين أكوار حيلٍ عراميس = يقطعن ميد مساهمات الحزومي
حيلٍ تذب أكوارها بالنسانيس = ياحلو مرواح الضحا عقب نومي
إن روحن مثل الحمام المماريس = ركابهن ما يستضف الهدومي
صبح أربع في غيبة الجن وابليس = يلفن لبيوت الرفاقه لزومي
يلفن محمد زبن خيل المراويس = الوايلي زبن الحصان العزومي
قل له ترى حنا خذينا النواميس = بسعود مولانا قوي العزومي
وتجارتك يا شيخ ضاعت من الكيس = تفرقت لمقطعين الخرومي
وراحن عليمات الهبيدي بسابيس= خلوه بقياع الشجر تقل بومي
كيف الوهم يرمي عرود القرانيس = ما به صواب وعاجزٍ لا يقومي
عاقوه ربعٍ يبعدون المناطيس = أهل المهار منزحين الخصومي
وان جا نهارٍ فيه جدع الملابيس = يابنت عن مثله هاك اليوم شومي

وحيث أن الخلاف بين خلف الأذن والشيخ سطام بن شعلان لا زال قائماً ، وبالرغم مما بينهم من جفوه ، فعندما حصل بين الشيخ سطام بن شعلان وبين مشائخ بني صخر خصام أدى إلى أن زحف عليهم سطام بقبائل الرولة من الأراضي السورية ، وكان مشائخ بني صخر مع قبائلهم بأراضي البلقا ، والسبب لذلك أن آل فايز رؤساء بني صخر أخذوا إبل النيص عبد أبن شعلان بطريق الغدر ، ومشائخ بني صخر كانوا أعداء ألداء للشيخ خلف الأذن ، فقد أعجبه تصميم أبن عمه سطام على زحفه على بني صخر ، وكان به شئ من تحقيق رغبته وقد حصلت المعركة بين آل شعلان وبني صخر وهزم بني صخر وشردوا عن بلادهم ، وبعضهم هرب إلى جهات الغور وفي هذه المعركة قتل خلف الأذن عدداً من مشائخ بني صخر ، ومن المعروفين منهم الشيخ طه ، والشيخ مناور ، والشيخ سطعان ، وقد قال خلف الأذن بهذه المعركة قصيدتين ، الأولى أثنى على الشيخ سطام بن شعلان ، رغم ما بينهما من الجفوة ، ولكنه كان راضياً عنه ، لأنه شفى غليله من أعدائه آل فايز وآل زبن رؤساء بني صخر ، وهذه القصيدة الأولى :

عيا الفهد ما كل الأشوار طاعه = قصَار من شارب خصيمه ليا زاد
من صافي البالود فيه القطاعه = مفراص بولاد الدول هم والأكراد
علمان زاع وسمَح الله ذراعه = قواطر يهز الريش من غير قواد
بين الفدين وبين بصري مزاعه = غصبِ على شبلي وعسمٍ على طراد
نبي ندور اعويس راع البياعه = إن جو من الكروه على الملح مداد
يا عويس لك عندي بالأيام ساعه = يوم يعيف سابقك كل الأفواد
اللي نحر حوران حط الرتاعه = واللي تقلع من ورا الهيش من غاد
أبا الظهور اللي يحفظ الوداعه = مثل صباح ارميح والطرش ما قاد
سرنا على نزلٍ تلافح رباعه = للطرش قهار ولللم جلاد
باولاد عم كل أبوهم جماعه = عاداتهم بالكون ضكات الأضداد
كم سابقٍ جتنا بالأيادي قلاعه = وكم راس شيخ طاح بسيوف الأولاد
وقطعانهم صارت لربعي طماعه = وقمنا نعزَل بيننا شقح الأذواد

أما القصيدة الأخرى فقد ذكر فيها مقتل الشيوخ من بني صخر ، وقال : إنكم يابني صخر شجعان وكرماء ولكنكم تمتازون ( بالبوق ) والغدر والخيانة ، وهذه صفات غير محموده بين العرب ، ثم قال : إن جديكم فرج وأسعد عثر حظهم وما فادوكم رغم أنكم تتباركون بهم ، وهاهم شيوخكم قتلى على الأرض ، ولم ينجدكم أجدادكم ، وهو يقصد من ذلك أن بني صخر كانوا يعقرون العقائر على قبور أجدادهم ومنهم فرج وأسعد ، ويتباركون بهما ، ويدعونهما بالملمات أن يفرجوا كربهم ، ويستنصرون بهم على أعدائهم ، وهذا شرك ولا شك فالمعين هو الله سبحانه وتعالى ، وهذه هي القصيدة :

يا رميح لولا البوق ما أنتم رديين = بذبح العديم وصبكم للأدامي
يا رميح وضح النيص ما عقبن شين = هنف الخشوم ونابيات السنامي
بنيت بيوت الحرب حد اللبابين = وشقح تنازي بالمشاتي مظامي
وثار الدخن ما بين كل القبيلين = بمزربط يكسر متين العظامي
وجبنا حلي الريش زين على زين = وبنت الشيوخ يصدغه بالخزامي
وطه ومناور والشيوخ المسمين = ذباحهم ما هو بحال الأثامي
ياذيب صوت للنسور المجيعين = أرع الشيوخ مجدعه بالكزامي
وفرج مع أسعد لا يعوهم شياطين = ويا رميح حظ أجدودكم بانخدامي
جوكم هل ( العليا ) عيال الشعالين = فوق المهار مثورات العسامي
ياما فجوا غرات بدوٍ عزيزين = وياما وقع بنحورهم من غلامي
على طراد الضد يا رميح قاسين = ومكللين سيوفهم بالهوامي
دجنا بوسط دياركم يا مساكين = ومنا تقلدتم قلوب النعامي
تقلعوا للغور يم العداوين = وعيونكم من همنا ما تنامي

وبعد هذا لم يترك شيوخ بني صخر خلف الأذن ، بل أخذوا يتربصون به لعلهم يأخذون ثأرهم منه لأنه ذبح عدداً من شيوخهم ، وكان من عادة الشعلان إذا رحلوا من نجد الى الأراضي السورية لا يمشون مجتمعين بل كل عائلة منهم يكون معهم قسم من قبيلة الرولة ، وكان من عاداتهم أن أول من يتقدم بالمسيرة هم عائلة آل مجول ومعهم قسم من الرولة ، ثم عائلة آل المشهور ومعهم قسم منهم ، ثم عائلة آل نايف الرؤساء ومعهم قسم منهم ، ثم عائلة آل زيد ومعهم قسم منهم وهذه عائلة خلف الأذن ، وكان شيوخ بني صخر بقيادة الشيخ طراد بن زبن قد فهموا عنهم هذه الطريقة في المسير فكمنوا في موقع قرب آبار ميقوع ، المنهل المعروف في وادي السرحان لأخذ الثأر من خلف ألأذن ، وقد أستنجد طراد بن زبن بفرسان قبيلة السردية ، بقيادة الشيخ الجنق ، ومعه الشيخ شلاش بن فايز ، وشلاش المذكور شجاع مقدام ويسمى الضمان أي أنه يضمن إبل قبيلة بني صخر من الأعداء ، إذا كان حاضراً عندها ، وعندما قرب خلف الأذن من الماء المذكور في طريقهم إلى سورية سبقتهم الأبل لتشرب وكان الشيخ خلف على أثرها بالظعينة ، ومعه أبناء عمه آل زيد ومن معهم من قبيلة الرولة ، وكان كل واحد منهم على هجينة مستجنباً جواده آمنين وهم يتقدمون الظعائن ، وقد مروا على نسر قشعم نازل الأرض وعندما قربوا منه راح يمشي على رجليه عاجزاً عن الطيران من شدة الجوع ، فألتفت إليه خلف الأذن وقال : كم أتمنى لو يكون معركة قرب هذا النسر العاجز عن الطيران من الجوع ليعتاش من القتلى ليطير فضحك رفاقه ، وبعد مضي دقائق من كلامه أشرفوا على آبار ميقوع ، وإذا بالخيل قد أخذت إبلهم وحالت بينهم وبين الإبل فنزلوا عن هجنهم وراحوا يلبسون دروعهم وركبوا خيلهم ، وأغاروا على الفرسان الذين أخذوا إبلهم وتبين لهم أنهم من بني صخر وآل سردية غرمائهم المشهورين ، وقد حمي الوطيس ، ودارت رحى المعركة بضراوة، وكان يوماً عبوساً ، وبعد عناء طويل خلص الشعلان إبلهم من العدو ، وراحوا يطاردونهم ، إلى أن قتل خلف الأذن الشيخ شلاش ، ثم قتل الشيخ الجنق أما الشيخ طراد فقد نجا لأن جواده كان سريعاً جداً فلاذ بالفرار ، وعجز الشعلان عن اللحاق به ، وقد غنموا خيولاً كثيرة ، وقد أنتصروا أنتصاراً رائعاً على بني صخر وأعوانهم ثم قال خلف الأذن هذه القصيدة بعد أنتصارهم :

الله يكون جرى عند ميقوع = كونٍ ينشر به غيارات واقماش
يوم التهينا نلبس الجوخ ودروع = واعرض لنا الطابور من دون الادباش
المنع يا ركابة الخيل مرقوع = من نيش باطراف المزاريج ما عاش
كم راس شيخ من تراقيه مشلوع = وأول سعدنا وطية الحمر لشلاش
والجنق أخذ من رايب الدم قرطوع = من عقب شربه للقهاوي على فراش
خللي عشاً لمهرفل الذيب مجدوع = والضبعه العرجا تدور به عراش
والشايب اللي قفونا يشكي الجوع = لو هو حضرنا نفض الريش وعتاش
زيزومهم عقب الصعاله غدا طوع = عقب الهدير أستثفر الذيل ونحاش
وأنا على اللي تكسر الذيل مرفوع = تشوش وان سمعت مع الخيل شوباش

لقد تحققت أمنية الشيخ خلف الأذن حينما تمنى أن تقع معركة حتى يأكل النسر القشعم ، وفعلاً سقطت الضحايا على الأرض وما أكثرها ومن بينها الشيوخ .
أما الشيخ طراد بن زبن فهو لم ييأس من أخذ الثار ، وقد تابع عدوانه على قبيلة الرولة ، ويقال أنه غزا وهاجم الرولة في أرض الحماد ، بالقرب من حرة عمود الحماد التي تقع شرقاً من وادي لسرحان ، وصادف أن غارته في صباح أحد الأعياد وقد هزمه الرولة وأثناء رجوعه صادفه النوري بن شعلان وخلف الأذن ومعهم عدداً من الفرسان فطاردوه وقتلوا وأسروا قسماً كبيراً من الفرسان ، أما طراد فقد نجا في المعركة ، وقد قال خلف الأذن في هذه المناسبة هذه القصيدة :

يالله يالمطلوب يا عادل الصاع = إن كان عندك للأجاويد ثابه
أنك تمشينا على درب الأسناع = ياللي لداع الخير ما صك بابه
الضرس يعباله عن السهر مقلاع = حتى تنام العين ما هي طلابه
يا طراد حلوا بك مواريث هزاع = عايدت قومٍ وعايدوك الشيابه
صغيرهم لو هو على الديد رضاع = سنه شطير يكسر العظم نابه
يا طراد راحت بك طويلات الأبواع = والشيب حل بسربتك والتهى به
وردوا هل العليا كما ورد الأقطاع = على غديرٍ ما كفاهم شرابه
ذيب المحيضر مخصب عقب ما جاع = مكيف يلعب على أبو عتابه
يبون جل بكارنا شقح الأقطاع = وشرهوا على هاك البيوت المهابه
وصحنا عليهم صيحةٍ تبري الأوجاع = وصارت قلايعهم بالأيدي نهابه
وطراد عقب سيوفنا صار مطواع = ضاعت عزومه عقب هاك الصعابه
ياما عملنا الطيب لا شك به ضاع = ماشٍ على درب الردا والخيابه

وأردف خلف الأذن قائلاً هذه القصيدة :

حرً شلع من راس عال الطويلات = للصيدة اللي حط خمسه وراها
غز المخالب بالثنادي السمينات = وتل القلوب وبالضماير فراها
يلعن أبو هاك الوجيه الرديات = أبرد من الزرقا على صقع ماها
وفنخور أبو جبهه كبير المطيرات = رجلٍ قطع من شقته واكتساها
بايع منيعه بالثمن للحويطات = من العيب وافر لحيته ما حماها
وابن جريد من هل المقعديات = ما حاشت الصفحه لعينٍ ثواخا
يا طراد ما عيت ذود النصيرات = عيت سواعد لحيتك من رداها
أجيك باللي يدركون الجمالات = ربعٍ معاديهم طوالٍ خطاها
إلى تنادوا بينهم بالمثارات = كم قالةٍ وقفوا على منتهاها
شعلان فاجوكم على الخيل عجلات = فوق المهار اللي تساعل حذاها

وبعد هذه المعركة لم تقم لطراد وجماعته قائمة ، خاصه مع قبائل الرولة .
وبهذه الفترة تولى الشيخ فهد الهزاع شقيق النوري ، بعد أن توفى الشيخ سطام بن شعلان ، وورث كراهية خلف الأذن عن سطام ، وقد حصل خلاف بين خلف الأذن وجماعة من الرولة ، أستفحل إلى أن قتل خلف أثنين منهم ، ولم يستطع غرماؤه أن يتجرأوا عليه ، ويأخذوا ثأرهم منه عجزوا عن ذلك ، وأخيراً توسط الشيخ فهد الهزاع على أن خلف يدفع دية لأقارب المقتولين ، وأشترط أن يدفع على الديه جواده ( خلفه ) وقبل خلف أن يدفع ديتين ، ولكنه رفض أن يدفع فرسه ( خلفه ) ولاحظ خلف من أبن عمه فهد ميلاً مع غرمائه ، وأنه لم يشترط دفع الفرس إلا ليأخذها لنفسه ، عندما حصل ذلك وهم بالأراضي السورية أمر خلف جماعته آل زيد بأن يرحلوا لنجد ، وبعد أن تحرك ظعنهم من سورية إلى نجد ركب جواده ( خلفه ) بعد أن لبس لباس الحرب وجاء إلى بيت الشيخ فهد الهزاع وكان فهد جالساً في مجلسه ، فوقف على جواده أمام البيت ، وأرتجل هذه الأبيات موجهها إلى الحارس المقرب للشيخ وهو ( أبو دامان ) وقال :

البدو عنا شرقوا يابو دامان = وكل من النقرة تقضى حواله
إن جيت ملعون الكديد أبن جدلان = إن ما رضي والله فلاني بحاله
أدخل على الله يوم مكنونها بان = ورزقي على اللي سامكات جباله
مانيب أنا ولد الحدب وابن ضبان = اللي يتالونه على شان ماله
ربعي هل العليا طويلين الأيمان = أهل النقا والطيب إن جا مجاله
معهم بني عمي عيال أبن شعلان = ياما كلوا من عين قالة وقاله
فهود الزراج ليا غشى الجو دخان = إن ضيعت وضح العشاير عياله
(خلفه) معديها مع أولاد جمعان = اللي يعرفون الثنا والجماله
باغ عليها يوم روغات الأذهان = وكلٍ هفا به فعل جده وخاله
ألكد عليها واجعل العمر ما كان = والشيخ وأن شافن يصيبه جفاله
أنا على (خلفه) وبالكف (شامان) = وكم راس شيخٍ عن تراقيه شاله

قال هذه القصيدة غير مبالي بأحد ، ثم لحق بظعينته ، وقد سكت الشيخ فهد كأن شيئاً لم يكن .
هذه من نوادر خلف الأذن وما أكثرها ، وعندما عرف غرماء خلف أنه تجرأ على الشيخ بهذه القصيدة ،عرفوا أن الحق ليس بالسهل تحصيله من خلف ، أرسلوا له صاغرين وطلبوا منه أن يدفع دية رجالهم بالطريقه المتبعه بين قبائلهم وتنازلوا عن طلبهم للجواد ( خلفه ) .
وفي بعض الأيام مرضت جواده خلفه وأخذ مدة لم يستطع ركوبها ، فأنشد هذه الأبيات :

أنا برجوى الله ورجوى العبيه = أنا على ركبه غشيشٍ رعا كبس
وبالكف من صنع الهنادي قضيه = عليه من دم المخالف تقل دبس
أجي مع أول سربةٍ مرعضيه = واصير بنحور النشامى لهم حبس
قدام ربعٍ كل ابوهم دنيه = الكد ملاكيدٍ لفارس بني عبس
الله على يومٍ ضحاه اعشويه = عج السبايا في نهاره تقل قبس
قلبي عليهم واردات دليه = والكبد من ضيم الرفاقه بها يبس

ولابد للقارئ أن يلاحظ آخر بيت في القصيدة حيث يقول :

قلبي عليهم واردات دليه = والكبد من ضيم الرفاقه بها يبس

فهو بذلك يشير إلى الشيخ فهد لأنه شعر بحيفه عليه ، ولذلك فهو يحس بالضيم منه ، لقد طالت الكراهيه والجفوه بين فهد الشعلان وأبن عمه خلف الأذن ، الى أن أخذ خلف يبتعد عن الشيخ فهد حتى تولى الشيخ النوري الشعلان رئاسة قبائل الرولة ، وأستمر الخلاف والكراهية بينه وبين خلف الأذن ، وعندما رأى خلف أن الشيخ النوري بن شعلان يبتعد عنه ولا يأخذ الرأي منه قال
هذه القصيدة :

يا شيخ يا شيخ الشيوخ أبن شعلان = عندك صليب الراي ما تستشيره
خمسين سيف ما يسدن بشامان = خله لعجات السبايا ذخيره
إنشد هل العادات ذربين الأيمان = ويخبرك عني من يعرف السريره
إن ثار عج الخيل في كل ميدان = تلقى علومي يابن عمي كبيرة
أقلط على الفارس بروغات الأذهان = واخوض غبات البحور الخطيرة
أشيل راسه من مزابير الأمتان = ولا عاد يذكر كل شره وخيره
السيف يشهد لي ويشهد لي الزان = ويشهد بفعلي من سكن بالجزيره
ما يختفي فعلٍ تقفاه برهان = والعين ما شافت بليا نظيره
ربعي هل العليا اليا ثار دخان = مثل الزمول اللي تقاصف هديره
إن رددوا بالكون عليا وعليان = حريبهم ترجع علومه صغيره
ربعٍ على جرد الرمك شانهم شان = ويرعون بحدود النمش كل ديره

وقد تطور الخلاف حتى أن أحد أبناء خلف الأذن المسمى ذياباً أطلق النار على النوري بن شعلان والأسباب هي كما يلي :
أدعى الشيخ النوري أن خلف الأذن تعدى على شئ كان بوجهه ، وأخذ يطالب خلف الأذن بإرجاعه ، وخلف أصر على العصيان ، ثم جاء النوري ومعه جماعه على خيولهم جاء الى خلف وهو في بيته ، ولم يكن عنده أحد من أبنائه ، أو أبناء عمه ، وقد وصل إليه النوري بدون أن يشعر به ، وغير متأهب له ، فوقف النوري على جواده بالقرب من خلف ، وأخذ يوبخ خلفاً ويتهدده ، وكان أبنه منتحياً بعيداً عن البيت ، ولكنه عندما رأى الخيل واقفه بالقرب من بيت ابيه ، ولاحظ أن الرجال الذين على ظهورها لم يترجلوا وأنهم مسلحون فقد أرتاب منهم وجعل البيت بينه وبين أهل الخيل متقياً به ، وأسرع إلى أن دخل البيت من خلفه وتناول بندقيته ، وسمع توبيخ النوري لوالده ، وكان والده بغاية الحرج ، فظهر عليهم من البيت وعندما أبصره والده ناداه ناخياً له ، وقال : أذبح الرجال يا ذياب ، فأطلق النار على النوري مصوباً البندقية إلى جبينه ، ولكن الطلقة أصابت عقال النوري من فوق رأسه ، فولى النوري على جواده مسرعاً ، وأتبعه رفاقه ، ومر بخيل خلف الأذن وهن يرعن بعيداً عن البيت ، فأخذهن وذهب بهن ، وعندما أراد ذياب أن يلحق النوري مسلحاً قال له أبوه : لا تلحق النوري لأننا لا نحب مداماة أبناء عمنا ، ويمكن أن نسترجع الخيل بطريقة أسهل من هذه ، وعندما وصل النوري إلى بيته أرسل بعض خدامه بالخيل التي أخذها من خلف إلى خيوله لترتع معهن ، وكان ذياب بن خلف قد لاحظ ذلك عن بعد ، وعندما رأى خدم الشيخ النوري ذهبوا بالخيل تقدم قبلهم وأخذ لهم الطريق الذي يمكن أن يسلكوه هذا وهم لم يشعروا به ، وعندما قربوا منه رفع راسه إليهم وقال : هل تعرفونني ؟ قالوا : نعم أنت عمنا ذياب ، وكان مشهوراً بالشجاعة ، وبإصابة الهدف ، فقال لهم : أقسم بالله أن تنزلوا مع مؤخرة الخيل مرغمين وإذا حاول احداً منكم أن ينزل مع جنب جواده فسيلقى منيته ، فاعتمدوا أوامره ونزلوا مع مؤخرة الخيل وذهب بها لوالده خلف ، وبعد هذه المشكلة ابتعد خلف عن النوري ، وبقي أكثر من ثلاث سنين لم يرى النوري وقال هذه القصيدة :

البارحه والعين عيت تغفي = عيت تذوق النوم لا واغليله
النار شبت ما لقت من يطفي = أوجس على كبدي سواة المليله
تبينت ما عاد فيها تخفي = ومن ربعنا شفنا بالأيام عيله
خسران من يتبع رفيقٍ مقفي = والقلب يجفل كل ما شاف ميله
ما ينفع الخايف كثير التخفي = واللي قسم للعبد لازم يجي له
كم سربةٍ خليتها تستخفي = وأرويت عطشان السيوف الصقيله
وأقلط على اللي بين ربعه مشفي = والخيل من فعلي تزايد جفيله
يالله لا تقطع مرادي بشفي = صفرا صهاة اللون تنهض شليله
ومحضرٍ صنع العجم ما يعفي = الراس من فوق المناكب يشيله
ومزرجٍ يالقرم يصلح لكفي = منقيه من سبع الكعوب الطويله
مع ربعةٍ بالبيت دايم تهفي = يجوز للربع النشامى مقيله
ودلال ما عنهن سنا النار كفي = حميلهن بالبيت مثل النثيله
وذودٍ مغاتير على الحوض صفي = بين الأباهر خططوهن بنيله
مع بنت عم ٍ أصلها ما يهفي = إن درهم المظهور فأنا دخيله

وفي آواخر أيام خلف الأذن ذهب إلى الأمير سعود بن عبدالعزيز بن رشيد أمير حائل ليزوره ويتعرف عليه ، وكان سعود بن رشيد حديث سن ، وكل الأمور بحائل يديرها الأمير زامل بن سبهان المعروف ، وقد أكرم آل رشيد خلف الأذن الشعلان إكراماً جيداً ، وصدفه جاء شاعر من إحدى القبائل زائراً لأبن رشيد ، وعندما كان أبن رشيد في مجلسه وعنده زامل السبهان وكان خلف بين الجالسين وكان الشاعر الذي جاء لأبن رشيد أيضاً جالساً معهم وكان زامل السبهان هو كل شيئ لأبن رشيد وهو الذي يتكلم بالمجلس ، التفت زامل السبهان إلى خلف الأذن وقال : نحب أن تساجل هذا الشاعر لنعرف مقدرتك يابن شعلان بالشعر ؟ فغضب خلف الأذن ، واعتبر هذه إهانه له من زامل ، لأنه يرى نفسه أكبر من أن يساجل شاعراً في مجلس بن رشيد ، خاصه أن هذا الشاعر ليس بمستواه ، فقام من المجلس وأرسل هذه القصيدة لزامل يهجوه فيها ، ويطلب إحضار هجينه ليسافر إلى بلاده وقومه بالشمال ، وقد حاول أبن رشيد كثيراً أن يسترضي خلف ، ولكنه رفض وأصر ، والقصيدة كما يلي :

زامل ينشدني وأنا وين ويني = هبيت يا هرجٍ بليا لباقه
الشين شين وماكر الشين شيني = عدو جد ولا بقلبك صداقه
الله يخونك كان ما تشتهيني = لو تحكي لي بالعلوم الدقاقه
غديت مثل معايد القريتيني = لا جبت خير ولا تبعت الرفاقه
أنا بلايه من صديقٍ بطيني = بقعا تصفقني على غير فاقه
فنجال طين ولا نت فنجال صيني = تبرك مباريك الجمل وانت ناقه
إرخص لنا وارسل لسمحه تجيني = اعتاق عبدٍ مشتهين فراقه

وبعد مدة غير طويله كان خلف الأذن نازلاً في أطراف الحره التي بين الحماد ووادي السرحان ، وكان نائماً في بيته هاجمهم غزاة من قبيلة شمر في منتصف الليل ، وقبل أن يعلموه أطلقوا عدداً من العيارات الناريه على خلف في فراشه داخل بيته فقتل هو وزوجته وهما نائمان ، وكان مريضاً وقد طعن بالسن …. وهكذا أنطوت صفحة ( أبا الشيوخ ) الفارس المغوار خلف الأذن ، وكان هذا في النصف الأول من القرن الرابع عشر ، وكان خلف الأذن رحمه الله مشهوراً بالكرم وحسن الضيافة ، وإكرام الجار ، وقد أثنى عليه الشيخ عجلان بن رمال الشمري بهذه القصيدة وبين فيها أن الجار خلف دائماً عزيز مكرم وهي كما يلي :

يا راكبٍ حمرا عليها الهتيمي = حط القطيمي فوق ساقه وداره
حمرا تضيم الدو ما تستضيمي = تلقى العتاري حاشيات عذاره
مشتاه من عذفا إلى أم الصريمي = ومرباعها اللبه تقطف قاره
تمشي من المركوز وقت الجهيمي = والظهر حط رعون كبدٍ يساره
حمرا وكن ظلالها له جريمي = تخطف الثايه بتالي نهاره
ملفاك صياد الشيوخ العديمي = إن ضيعت شقح العشاير حواره
اللي قصيره كل يومٍ حشيمي = ما يقهر الرحلي إلى جا مداره
والضيف عنده في جنان النعيمي = يلقى الكرامه قبل يبدي خباره
وإن صار بالمشتى ليال الصريمي = ذباح نابية القرا من بكاره
وعوق العديم ولا يهاب الغريمي = كم فارسٍ اهفاه ما وخذ ثاره
عيال الشيوخ منوخين الخصيمي = يزين طبعه عقب هاك الصطاره
وقبُ إلى جا الصبح جاله رهيمي = عليهن اللي يدمحون السماره

وعائلة الزيد مشهوره بالكرم وإعزازهم لجارهم ، وقد ألتجأ عندهم شخص من شمر يقال أن أسمه أبن عدلان وهو مبتور اليدين ، ويقال أن الذي بترهما هو أحد حكام آل رشيد ، وبقي جاراً لهم فترة طويلة ، وكان مستجيراً بالشيخ خلف الأذن وأخويه ضامن وشاهر ، وقد أعزوه وأقسموا على أنفسهم أن يقوموا بإطعام جارهم بأيديهم ، وعندما يحضر الطعام لجارهم يأتون بملعقه ويناولونه طعامه ، ويشاركونه بأكله ، وقد أشار إليهم الشيخ عجلان بن رمال في قصيدته المذكوره أعلاه ، ومما يبدو لي أن نهاية حياة خلف الذن تشابه نهاية حياة الشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي والمكان الذي قتل به خلف قريب من الموقع الذي قتل به المتنبي وفي مقتلهما نوع من التشابه ، إلا أن خلف الأذن يمتاز بالشجاعة ، وحسبما فهمته من الرواة أن عدد المشايخ الذين قتلهم خلف الأذن بحومة الوغى كما يلي :

الشيخ ( تركي بن مهيد ) من الفدعان
الشيخ ( شلاش ) بن بخيت بن فايز من بني صخر
الشيخ ( الجنق ) شيخ قبيلة السرديه
الشيخ ( مناور ) من شيوخ بني صخر
الشيخ ( طه ) من شيوخ بني صخر
الشيخ ( سطعان ) بن زبن من شيوخ بني صخر
الشيخ ( دريبي ) من الزبن
وشيخ من آل هذال
والشيخ العواجي .

حيث قال أحد شعراء الرولة المسمى ( مغب الدريعي ) هذه القصيدة بالمعركة التي حصلت بين الشعلان والعواجي ( بنقرة الحيران ) وكان قائد الشعلان فيصل بن شعلان وبهذه المعركة قتل الشيخ خلف الأذن العواجي ، وهذه القصيدة :

حرٍ شلع يوم البواشق مخامير = عدل المناكب مسفهل الحجاجي
شهر من الوديان وأسند مع الشير = وفي نقرة الحيران صاد العواجي
أيمن مكاسيبه وطا الجوف وصوير = وايسر مكاسيبه وطن النباجي
بشرقي جبال غنيم جبنا المغاتير = وضحٍ تلاعج كنها عظم عاجي
راجوا بروس الشلف مثل العصافبر = وعلى صنمهم محمل الخيل راجي
وادلى خلف فيهم كما يدلي الطير = وصاد العواجي في مثار العجاجي
راجت عليه معسكرات المسامير = قبً تعلوهن فهود الزراجي

ومن أجل ذلك سمي بأبي الشيوخ .
ولم يترك آل زيد الشعلان أقارب خلف الأذن ثأرهم ، فعندما علموا أن التومان من شمر قتلوا خلفاً ذهبوا إلى الأمير نواف النوري الذي كان مضطلعاً بشؤون قبائل الرولة ، ويخلف والده بقيادة القبيلة ، ذهبوا إليه وطلبوا منه أن يقودهم إلى مهاجمة شمر ، لأخذ ثأر الشيخ خلف الأذن ، وفعلاً أجاب ندائهم وألتفت حوله قبائل الرولة وغزا من أراضي الحماد قاصداً مهاجمة شمر الذين يقطنون بالقرب من منهل الدويد المعروف ، وفعلاً أغار على قبائل شمر هناك وكان يرأسهم فيصل بن سند الربع من مشايخ قبيلة التومان من شمر ، وقد أخذ الشعلان إبلهم وقتل قريطان بن شاهر الزيد الذي هو أبن أخي خلف الأذن قتل فيصل بن سند الربع زعيم التومان وغنم جواده وأخذ إبله وكانت هي إبل والده من قبله سند الربع المعروف ، وبهذه المعركة شفى آل زيد غليلهم وثأروا للشيخ خلف الأذن .
هكذا حدثنا الرواة من الرولة ومن قبائل عنزة الأخرى ومن شمر عن حياة هذا البطل المغوار والشاعر المبدع .. وهكذا طويت صفحة مشرقة حيه من نماذج فرسان العرب المعلمين .


المصدر : كتاب أبطال من الصحراء – محمد الأحمد السديري – صفحة 195

Be First to Comment

    اترك تعليقاً