مغامرة فارس من أجل ناعس الطرف


فصل الشجاعة الحربية


مغامرة فارس من أجل ناعس الطرف
الراوي فهد المارك


نزح نفر من قبيلة شمر القاطنين في جزيرة الفرات واستوطنوا الأراضي التركية المتأخمسة للحدود السورية برئاسة زيد بن عمرو الجرباء ويقطن الأرض التي استوطنها ابن عمرو ورفاقه قبيلة تدعى (قيس) وفي هذه القبيلة فتيات بارعات الجمال جامعات بين حسن الحضارة الذي هو إلى البياض والحمرة أقرب منه إلى السمار البدوي وبين رشاقة وخفة وروح الفتاة العربية , وبين الفتيات القيسيات فتاة تمتاز بجمالها ورشاقتها على جميع فتيات قبيلتها وقبيلة شمر معاً كما يمتاز البدر بأنواره وصفائه على سائر النجوم , وكان الأمر طبيعياً أن تلفت نظر فتيان الحي وأن يحاول كل فرد منهم أن يحظى بلفتة من لفتاتها أو بإيماءة من طرفها , ولكنها كانت أبعد منالاً عنهم من الجوزاء , لقد كان الفتيان مجمعين على حبها ومتفقين على الهيام بغرامها ومتحدة قلوبهم في عشقها , ولكن معشوقتهم لم تمنح لأي واحد من عشاقها ولا بأدنى إشارة عابرة .
وكلما ازدادت فتنة شباب الحي بسيدة الجمال ازدادت الفتاة تجاهلاً لهم , ولم يعز هؤلاء الفتيان عن تجاهل الفتاة لهم إلا أمران :
– الأول : أنهم لا يعرفون لها معشوقاً تهواه .
– الثاني : إنها كشأن فتيات البادية اللواتي لا يعشقن الفتى لجماله ولا لماله وإنما لشجاعته فقط ولذلك كانت أمنية كل فتى من كلتا القبيلتين شمر وقيس هي أن تأتي مناسبة يغزوهم فيها العدو أو يفزون العدو لكي يقوم من تحدثه نفسه بغرامه بدور بطولي يجعل له عند الفتاة منزلة لا ينافسه عليها أحد , ولكن المشكلة هي أن عهد الغزوات والحروب بين القبائل بدأ يتلاشى تدريجياً بحكم قوة الأمن المشددة وخاصة في الصحراء السورية التي كانت محاطة بسياج من حديد , ولئن كان لكل شيء حسنات وسيئات فإن الاستعمار الفرنسي البغيض للوطن العربي السوري كله سيئات اللهم إلا عملية واحدة وهي توطيده أمن الصحراء وذلك أنه جند جنوداً من نفس شباب البادية مهمتهم الوحيدة حماية البدو من غزو بعضهم لبعض وحماية القوافل التي تمر عبر الصحراء من السلب والنهب , ويسمى هذا الجيش بالهجانة , فكانوا يطوفون الصحراء السورية شرقها وغربها على رواحلهم , كما كانوا مدربين على الأسلحة الحديثة كالرشاشات وأمثالها , وليس من السهل أن يفلت من أيجيهم أي غاز كان لأن الغزاة لا يعدو أمرهم من أن يكونوا إما من قبيلة عنزة وإما من قبيلة شمر , وهؤلاء الهجانة أغلبهم من هاتين القبيلتين , ومن هنا يصح المثل القائل : (لا يفل الحديد إلا الحديد) .


أماني الفتية تتحقق
ولئن كانت حراسة الهجانة مشددة ورادعة ومخيفة لكل فارس يحاول الغزو على طريقة أهله الوارثية فإن هذه الحراسة مهما كانت مشددة ومهما بلغت من قوة فإنها لا تستطيع ن تقهر فارساً كزيد بن عمرو الجرباء الذي أشرت إلى ذكره من قبل بأنه نزح من الحدود السورية إلى الحدود التركية هو وشلة من فرسان قبيلته .
ففي حوالي 1350 هـ – 1930 م , أعد العدة زيد بن عمرو قاصداً غزو عشيرة الفدعان التي يرأسها مقحم بن مهيد وكان مجرد إعلان ابن عمرو للغزو يعتبر أمنية سعيدة بالنسبة للفتيان الذين يودون شجاعة خارقة يرضي بها أمية الجمال .
كان كذلك اليوم الذي حدد فيها ابن عمرو موعداً لغزوة يوماً أغر محجلاً لكل من فتيات قبيلة قيس وقبيلة شمر .
وإما أن جاء الوقت المعين لذهاب الغزاة حتى حضر الفرسان بكامل عتادهم وعدتهم وكان من بين هؤلاء الفرسان والد الفتاة , وعندا تهيأ الفرسان للسفر وامتطى كل منهم جواده في تلك اللحظة جاءت إليهم سيدة الجمال تمشي مشية زهو وغرور وتحد , ولشد ما اندهش الغزاة جميعهم حينما دنت منهم الفتاة و خرقت صفوفهم ثم وقفت في وسط جموعهم بقوامها الممشوق وهي تزيح بكفها الناعم خصلة من شعرها انحسرت على جبينها المشرق ثم اتجهت نحو الفرسان بوجهها الناصع البياض الممزوج بحمرة تشبه زهرة الورود فقالت : (إن والدي قد تجاوز سن الشباب الأمر الذي جعلني أخشى عليه من أن تطرحه فرسه بين الأعداء فيما غذا حصل بينكم وبين فرسان العدو كر و فر) , ثم صمتت الفتاة بعد هذه الكلمة لحظة تنتظر من هؤلاء الفرسان من يقول لها لا تحملي هم والدك فإنه بعهدتي , ولكن الفرسان كل واحد منهم لا يريد أن يتطوع بمثل هذه الكلمة تطفلاً من عنده , لا لما يترتب عليها من مغامرة انتحارية فحسب وإنما يريد كل منهم أن الفتاة تنتدبه للقيام بهذا العمل .
وقد غشى الفرسان وجوك من الصمت بعد تلك الكلمة فكن على رؤوسهم الطير , كما أن الفتاة أدركت ما يختلج في نفوس الفرسان ولذلك عادت وغيرت مجرى الحديث بحديث آخر متجاهلة ما قالته في كلمتها الأولى , فراحت تتمنى لهم التوفيق في غزوتهم هذه سائلة المولى أن تكون غزوة ميمونة , وفي اللحظة التي تواصل فيها حديثها هذا الطافح بالدعوات كانت ترسل نظرتها خلسة نحو الفرسان تتفرس في وجوههم النجابة فكأنهم خيل تعرض للبيع وكأنها واحد من هواة سباق الخيل يريد أن يختار جواداً سباقاً يضمن له رهناً رابحاً , وعندما أيقنت أنها وجدت حصانها الرابح بعد ذلك قطعت حديث الدعوات وعادت إلى حديثها السابق مؤكدة للفرسان العبارة السابقة , وهي خوفها على والدها من أن تطرحه فرسه في الساعة التي يحمى الوطيس ويشتد الطراد بين الفريقين الغازي و المغزو وقد واصلت حديثها هذا بدون انقطاع خلافاً لحديثها السابق الذ تريثت فيه وبينما كانت مسترسلة بحديثها هذا مضت بخطى وئيدة وبمشية مزوجة بين لخيلاء و الغرام فمن نظرها بعين الإعجاب قال عنها أنها تتبختر بمشيتها , ومن نظرها بعين الغرام قال إنها ترقص , وبينما الفرسان مأخوذون بين معجب ومغرم في تلك اللحظة قطعت الفتاة مشتها ووقفت بقامتها المديدة بجانب أحد الفتيان الفرسان المدعو تركي العجرش فربتت على كتفه قائلة : (إن والدي بعهدتك) .
فابتسم الفتى ابتسامة الواثق من نفسه والفخور بهذا الوسام الذي وشح به من قبل ناعسة الطرف ثم أجابها بهدوء قائلاً (سوف يعود إليك والدك سالماً إن أحياني الله) , فقفلت الفتاة راجعة بمشية خيلت للفرسان أنها مشية الساخر المتحدي .
أما الفتى العجرش فقد كانت نظرته للفتاة نظرة إعجاب وغرام في آن واحد , خلافاً لنظرة رفاقه الذين راحت أعينهم تنظر إلى الفتاة شرراً و يتمنى كل فرد منهم أن يقع أبوها من جواده في سعة حرجة لا مجال لإنقاذه وفي معركة من أشد المعارك هولاً , والغريب في الأمر أن الفتى العجرش هو الأخير يتمنى اللأمنية نفسها التي يتمناها رفاقه الفرسان , لقد التقى العجرش هو ورفاقه على صعيد واحد من حيث الوسيلة ولكنه يختلف عنهم طبعاً في الغاية فهم يتمنون أن يقع والد الفتاة بين أيدي الأعداء في معركة حاسمة تجعل الفارس العجرش في مأزق حرج فإما أن يغامر بنفسه كوفاء لما تعهد به للفتاة بإنقاذ حياة والدها وعندما تكون نهايته فيرتاحون منه لا كرهاً له ولكن نكاية بأميرة الجمال التي أشاحت بوجهها عنهم جميعاً ولم يقع اختيارها إلا عليه , وإما أن يعجز عن حماية والد الفتاة وإنقاذه فيكونون ربحوا الشماتة بالفتاة التي هجرتهم وبالفارس العجرش الذي حسدوه على اختيار الفتاة له دون غيره ممن يضارعونه بالفتوة والشجاعة .
هذا هو معنى أمنية الغزاة ! أما أمنية الفتى العجرش فإنه يود أن يقع والد الفتاة من جواده في أحلك الظروف وفي أشد المعارك هولً وأعظمها ضراوة , وفي ساعة حماسة لا يفكر بها أعظم الفرسان إلا بنجاة نفسه فقط .


وقع ما تخشاه الفتاة
لقد سبق أن اشلات بأن جيش الهجانة في الحدود السورية كان حارساً للصحراء حراسة قوية ويصعب جداً أن يفلت من أيديهم غزاة من هذا التوع .
ولسوء حظ الغزاة أن الهجانة كان لديهم علم بهم مسبقاً ولذلك اتخذوا أي الهجانة جميع الاحتياطات اللازمة لتعقب حركاتهم وسبر غورهم بصورة دقيقة وكانت خطة الهجانة تقضي بتطويق الغزاة وأسرهم إذا أمكن الأمر .
أما الغازون فلم يعملوا حساباً للهجانة وإنما كان جل همهم مصبوباً نحو مقاومة فرسان الفدعان فبعثوا فرساناً يسبرون من قبل الهجانة , وفي الحين الذي كانوا يسبرون آمنين غير خائفين ويظنوا أنفسهم أنهم غزاة , فإذا بهم فجأة يقعون في الفخ الذي نصبه لهم الهجانة وبدا لهم الأمر أنهم مغزوون وأن سلامتهم مهددة وأن أمامهم قوة الحكومة المجهزة بالأسلحة الحديثة لا قوة فرسان البدو الذين يضارعونهم بنوع الأسلحة .
فكر الغزاة وقدروا في الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه , فوجدوا أن كل سبيل أمامهم من سبل المقاومة موصداً بل وعميقاً , و أن لا سبيل لهم إلا أحد السبيلين , إما الاستسلام بدون قيد ولا شرط وهذا منتهى ما يصبوا إليه الهجانة أو الفرار على صهوات خيلهم , وبينما هم في حيرة باختيار أهدى السبيلين , عند ذلك زحف عليهم الهجانة وأصلوهم برشاشاتهم بوابل من الرصاص المدرار فلم يسعهم إلا أن أرخى كل فارس منهم عنان جواده وفروا هاربين فرادى وكل فارس منهم لا يعلم ماذا حل بصاحبه , ولما كان الهجانة على رواحل والغزاة على الجياد فإنه من المسلم به أن لا يستطيع راكب الناقة بأن يدرك راكب الفرس وإنما العكس هو الصحيح , ولذلك لم يستطع الهجانة أسر أو قتل أي واحد منهم .


الأمنية المزدوجة تتحقق
لقد نجا الغزاة من الأسر بعدما أبدوا مقاومة بسيطة جرح بها أحد الهجانة أم الفرسان فلم يصب أحد منهم بأذية ولم يفقد منهم أحد قط , اللهم إلا والد الفتاة الذي جاءت فرسه تسحب رسنها بدون فارسها الذي سقط من فوق صهوتها في أول المقاومة ولكن سقوطه هذا ظل مجهولاً لدى رفاقه فلا يعلمون هل أصيب برصاصة من رصاصة العدو , أم أن كلمة ابنته أثرت على معنويته بصورة جعلته منه لا يستطيع أن يتماسك على ظهر فرسه ؟كان الفرسان بحيرة من أمر والد أميرة الجمال وقد بدا لهم الأمر جلياً فيما بعد أن صاحبهم لم يصب بجراح وقد نظروه رؤية العين يسير على أقدامه سليماً من كل إصابة , ولكنه محاط بقوة الهجانة التي لا زالت تلاحق فلولهم وترشقهم برصاص منهمر .
لم يحزن الغزاة على والد الحسناء التي سخرت بهم جميعاً بل يرون أنهم وإن أفلسوا من غنيمتهم لإبل العدو فإنهم لم يفلسوا من شماتتهم بالفتاة وبالفتى العجرش الذي شمخ بأنفه عليهم بعدما انتدبته الفتاة لحراسة والدها وأسقطتهم من حسابها , ولكن العجرش لم يدع لرفاقه فرصة يشمتون بها على سيدة الجمال فسرعان ما كر الفارس على والد الفتاة المطوق بجيش الهجانة والذي يعتبر أخذه من بين هذه القوة تحدياً لسلطة الحكومة واستهتاراً بحياته ومغامرة ما بعدها مغامرة ولكنها مغامرة لذيذة بالنسبة إليه فهو إن نجا منها وفاز باختطافه والد الحسناء من بين يدي الهجانة , فمعناه أنه حقق نظرية أميرة الجمال به وفي الوقت ذاته يكون استولى على لب الفتاة واحتكر غرامها له وحده بصورة لا يستطيع أي فتى أن ينافسه عليها , أما إن لقي حتفه من جراء مغاكرته هذه فإنه يرى نفسه كفتى بدوي مغامر بطبيعته خيراً له من أن يغامر من أجل ناعسة الطرف حتى ولو لقي حتفه من أن يغامر بحياته من أجل غنيمة جمل من إبل عنزة .
وقد غامر الفتى بحياته وكان من المسلم به ن يقتله الهجانة بطلقات رشاشاتهم التي صرفوها عن الغزاة ووجهوا أفواهها إلى هذا الفارس الذي وضع نفسه هدفاً لرمايتهم أو أن يقتلوا فرسه فيكون وقتذاك من السهل استلامه وقيده أسيراً أو بالأحرى يحولون بينه وبين اختطافه للفارس الذي سقط من جواده .
ولكن العجرش استطاع أن ينهب الشيخ من فكي الأسود بدون أن يصاب بأدنى سهم لا هو ولا جواده بالرغم من أن الهجانة المدربين على رماية البنادق والرشاشات لم يدخر كل فرد منهم أقصى ما لديه من الجهد لإصابة الفارس اصابة فرسه سواء بإقباله أو بإدباره , ولكنه نجا من سهامهم .
وهكذا عاد الغزاة مفلسين وموتورين من أمير ة الجمال التي تحدتهم باختيارها للفتى العجرش ومقهورين من العجرش الذي حقق للفتاة ما كانت تتوسم به .
أما الفتى العجرش فإنه يرى نفسه الفارس الوحيد الذي غزا وعاد بالغنيمة الدسمة .
ولما كان الهجانة الذين تحداهم الفارس واختطف الرجل من بين أيديهم كلهم أو أغلبهم من البادية الذين تستهويهم الشجاعة أنى كان مصدرها فإنه من البديهي أن يتساءلوا فيما بينهم من هو هذا الفارس الذي قام بهذه المغامرة العنيفة النادرة من نوعها ؟
وقد كان من بين هؤلاء الهجانة جندي يدعى (مراح) من نفس قبيلة العجرش , فهذا الجندي قال لرفاقه الهجانة أنني على أتم الاستعداد لأن أضع رهاناً لمن شاء أن يراهنني بأن الفارس الذي قام بهذه المغامرة هو ابن العجرش فلان يقصد الفارس بالذات تكهاً منه بصفته يعرف رجال من قبيلته شمر واحداً واحداً خاصة الذين نزحوا إلى الحدود التركية , وبما أن الأرض التي يقطنها الغزاة قريبة من الحدود السورية التي يعسكر فيها الهجانة لذلك كانت معرفة الفارس سهلة جداً بحكم ذهاب وإياب المسافرين من وإلى الحدود التركية ولم تمض أبام قليلة حتى جاءت الأخبار للهجانة مؤكدة لصحة ما تنبأ به الجندي (مراح) وموضحة الأسباب الداعة لمغامرة الفتى .
هذا وقد روي لي مراح أنه اجتمع بعيد الحادثة بعم الفارس المغامر المدعو مشكل العجرش , وتحدثت له بالمغامرة التي قام بها ابن أخيه وما كان الجواب من عم الفتى إلا أن قال : (فهل تعتبر مثل هذه العملية شجاعة من شاب استنجدت بنخوته فتاة حسناء , ثم استطرد الشيخ وقال : كنت أتوقع أن تقول لي أنه هجم على الهجانة وأسر عدداً منهم و اغتنم رواحلهم وأسلحتهم ) .
وهكذا نرى الشيخ يستصغر هذه المغامرة من ابن أخيه .


المصدر : كتاب من شيم العرب – الجزء الثالث – فهد المارك – صفحة 815

Be First to Comment

    اترك تعليقاً