هكذا خلق الزعيم

Share


فصل المروءة


هكذا خلق الزعيم
الراوي فهد المارك


يقول بعض الحكماء أن (التغافل ثلاثة أرباع العقل) وإذا كان من الضروري أن يتغافل الفرد منا فإن من الواجب على أي حاكم أو زعيم أن يتغافل ويتجاهل الأمور كأنه لا يدري وإن كان يدري لأنه إذا شاء أن يجعل نفسه رقيباً على هفوات قومه , ومعاقباً لكل من تبدو منه زلة عن عمد أو عن جهل أو عن سهو , فمعنى ذلك أنه سوف يخلق لنفسه كل يوم عدواً , وما من أجد كثرت أعداؤه وفتح لنفسه جبهات من الأعداء متعددة إلا وتكون نهايته الفشل لا محالة .
والرجل الكبير في خلقه , والعظيم في نفسه , هو الذي تصغر في عينه الأحداث وخاصة هفوات قومه مهما كبرت كما نوه بذلك أو الطيب المتنبي :

وتكبر في عين الصغير صغارها = وتصغر في عين العظيم العظائم

وهذا فيصل  (1) بن حشر أحد زعماء قبيلة قحطان وقصته وقعت على وجه التقريب حوالي 1270 هـ .
ولئن عبرت هذه القصة على إيجازها عن شيء فإنما تعبر لنا عن مدى ما يتصف فيه بطلها من بعد النظر وعلو الهمة وتغافله وتجاهله لعثرات قومه .
أصبح فيصل بن حشر ذات يوم , فوجد أغلى ما لديه من الخيل قد قطعت قوائمها فتكدر طبعاً لهذا العدو الدنيء الذي جعل كيده في هذه البهيمة , فراح يهدد بالوعيد لمن قام بهذا العمل , كما أعطى وعداً مقدماً بأنه سوف يهب ناقة من أطيب إبله لمن يدله على من قام بهذا العمل السيء , ومادام أن القضية فيها شيء مغر فلا بد أن يجد من ضعفاء النفوس من يتطوع بالوشاية على من قام بهذا العمل , سواء أكان صادقاً بوشايته أم مفترياً , والذي يهم الواشي في كل زمان ومكان هو أن يجد من يقدم له ثمناً مقابل نميمته بصرف النظر عن كونه صادقاً أن كاذباً .
فجاء هذا الواشي إلى ابن حشر يخبره بأن قاطع رجل فرسه هو فلان بن فلان .
وما كان من شيمة ابن حشر إلا أن وفى للنمام بوعده , ولكنه لم نفذ وعيده بالمعتدي , وكل ما قام به ابن حشر هو أن طلب من المواشي بعدما قدم له الناقة أن لا يخبر أحداً بالمعتدي , فسأله الواشي مستغرباً :
– لماذا وعدت بأن تهب ناقة لمن يخبرك بالمعتدي ثم تنفذ وعدك وبعدما تخبر به وفي الحين ذاته تطلب مني بأن أكتم الخبر بدلاً من أن تطلب مني شهادة في حالة تنفيذ العقاب بالمعتدي .
فأجابه ابن حشر وعلامات الجدية بادية على محياه قائلاً :
– عندما نذرت ناقة لمن يدلني على المعتدي لم أكن جاداً في الموضوع لا أنن إذا عرفته أو شئت أن أعاقب شخصاً جاهلاً من رجال قبيلاي فهذا يعني أنه سوف يقع فيما بعد ما هو شر من ذلك , أما إذ تجاهلت الأمر وإن كنت عالماً وملماً به ومن ثم اكتفيت بتهديدي للفاعل فهذا التحديد والوعيد كافيان أن يدخلا في قلب المجرم الرعب والخوف , ولن يجرؤ بعدها على الإقدام على أن أي عمل من هذا النوع .
يوافق فيصل بن حشر في رأيه هذا معروف الرصافي :

إذا دفع الشر القبيح بمثله = تحصل شر ثالث وتولدا
وأمست دواعي الشر ذات تسلسل = مديدة , وزاد الشر بالناس سرمدا (2)


المصدر : كتاب من شيم العرب – الجزء الرابع – فهد المارك – صفحة 1275

(1) فيصل بن حشر رئيس آل عاصم من قبيلة قحطان وصاحب القصة هو فيصل بن حشر الأول الذي عاصر الإمام فيصل آل سعود في منتصف العقد القالق عشر الهجري لا فيصل بن حشر الذي عاصر الملك عبد العزيز في أول قرننا هذا .
(2) رويت هذه القصة من حمود العماج القحطاني الذاتي من حاشية الملك فيصل .

Share