عبد الرحمن التميمي


عبد الرحمن التميمي
الاستاذ طلال السعيد


– عبد الرحمن التميمي من بني تميم القبيلة المشهورة بجزيرة العرب، فمنها آل ثاني حكام قطر ومنها كثير من المشاهير وهذا بطل حكايتنا من أفراد هذه القبيلة.
– يقول الراوي:
– نزل التميمي إلى السوق في قرية أوشيقر بنجد، ودخل عند الصائغ صانع الذهب فلتت انتباهه ابنة هذا الصائغ، فقد كانت على درجة كبيرة من الجمال وتعلق قلبه بها، فلم يعد يبرح دكان والدها، وقد كان يسمى عبد الرحمن المطوع من شدة تدينه، وهو كذلك؛ ولكنه أحب تلك الفتاة وقد كان البدو لا يزوجون الصاغ ولا يتزوجون منه، وهذا عبد الرحمن يحب الفتاة ولا يبرح مكانه أمام دكان والدها، حتى انتبهت له، فخطبها من والدها وتزوجها شريطة أن يبقى زواجهما سرًّا بينهما، ومضت مدة والتميمي في رغد مع زوجته، فحملت وأخبرت صديقتها التي أشارت عليها أن لا تبقى الأمر سرًّا لحفظ حق ولدها، فانتشر الخبر وعرف اخوانه بما حصل وحضروا له بالقرية وقالوا له نريدك للذهاب معنا، فرفض، فأجبروه، وخرجوا به من القرية وقصدوا البر، وصادف أن رأوا غزالًا في إحدى الأشجار نائمًا فمد أحدهم سلاحه عصاه أو سهمه حسب ما كان متوفرًا في ذلك الوقت يريد قتل الغزال فرجاه عبد الرحمن أن لا يقتله فقد ذكره بزوجته؛ إلا أنه لم يستمع له وقتله، ونزلوا، فقال له أخوته عليك الآن أن تطلقها، فلم يقبل، فأصروا عليه وهو يرفض، فقالوا: إمّا أن تطلقها أو نقتل أحدكما إما أنت أو هي فطلب منه مهلة يصلي بها ركعتين ويستخير الله، فابتعد عنهم قليلًا وصلى الركعتين وأخذ يبتهل إلى الله ثم كتب هذه الأبيات:

يقول التميمي الذي شب مترف = مدى العمر ما شيء في زمانه جاه
يا ركب يللي من ضحّى(1) تقللوا(2) = من نجد للريف المريف مداه
رحلنا من جو عكلا وقوضوا(3) = على كل هباع(4) اليدين خطاه
طووا بنا الدهنا والإنسان ماله = إلا أن ما يكتب عليه لقاه
لقوا جازين(5) في دوحة مستظلة = حماه عن لفح السموم ذراه
خذوها فلا بالرمح زرقن ولا العصا = ولا قلطوا حبل العقال عصاه
غشاها لذيذ النوم والنوم كم غشا = من الناس حذرن وابتلوه عداه(6)
فقلت نحواني ومثلي ومثلهم = يشكي اليا من الزمان وطاه
دعوها بيلن كود من ذي فعايله = يجزا على فعله يشوف أمناه
يا شمل يا مامونة الهجن هو ذلي = إلى دار من يصعب على لقاه
ادقاق حجل أطراف يا ناق وإن طرا = على البال زاده من عناه شقاه
محا الله قصرن حال بيني وبينها = نجمن من المولى يهد أبناه
أبغي الياهد العلا من قصورها = تذهل عطيرات الجيوب حياه
يظهر عشيري سالمن من ربوعها = هذاك مطلوب الفتى ومناه
ألا واعنا عيني الياريت صاحبي = جضعيعن لغيري واحترمت لقاه
يصير مملوكن لغيري ويهتوي = وساقيه ما ينحي عليّ بماه
دع ذا وسل وأيها الملا في محلتم = سرا يفتح الظلما شعاع سناه
لاكن بأمر الله تطلق أركونة = عزايله وصف السحاب أراده
حوراك تبني والذراعين زجن = من الريح زعاجن وطار سناه
وطا ما وطا واللي وطا بعد ما وطا = غطا ما وطا واللي وطاه غطاه
محا ما محا واللي محا بعد ما نحا = محا ما محا واللي نحاه محاه
عصا ما صا واللي عصا بعد ما نصا = نصا ما عطا واللي نصاه عطاه
وإن كان لي ظن وهاجوس خاطري = قد حال بين البازمين غشاه
من باعنا بالهجر بعناه بالنيا = ومن جذ حبلي ما وصلت رشاه
إلا قفا جزا الأقا ولا خير بالفتى = يتبع هوى من لا يطيع هواه
خليلي يشادي خاتم العاج وسطه = تقول انفرج لولا البريم زواه
خليلي خلا قلبي من الولف غيره = عفت إلا خلا والخدون حذاه
خليلي ولو جا البحر بيني وبينه = ذبيت روحي فوق غبة ماه
خليلي ولو يرعا الجراد رعيته = أهظله من خشمته ورضاه
خليلي ولو يزرع زريعن سقيته = من الدمع وإن شح السحاب بماه
خليلي ولو يبرز على الثرى ريقه = غدا سكر والتاجر يزيد شراه
خيلي ولو ياطا على قبر ميت = بأمر الولي حاكاه حين وطاه
خليلي معسول الشفاتين فاتني = كما فات لقاي الدلى رشاه
كن عن صغير السن حذرن ولا تكن = دنو عن الياشفته بسن سفاه
إن كان ما جاوز ثلاث مع أربع = وعشر فلا يشفي الفؤاد لقاه
تعاديه ما يدري تصافيه ما درى = ما سمع من غالبي الحديث أحكاه
عضيت روس أناملي في نواجدي = وقلت آه من حر المصيبة آه
لو أن في قول آه طب لعلتي = كثرت أنا في ضامري قول آه

– ولما أكمل عبد الرحمن القصيدة وقع على وجهه وهم يظنونه ساجدًا. فانتظروا وطال انتظارهم. ولما رفعوه وجدوه قد فارق الحياة، قتله الحب قبل أن يقتلوه.


(1) ضحّى : تصغير ضحا .. أي أول وقت الضحى .
(2) تقللوا : مشوا .. رحلوا .
(3) قوضوا : هموا رحيلهم .
(4) هباع : طويل .
(5) الجازي : الظبي سموها جازي لأنها لا تشرب الماء .
(6) يقصد بهذا البيت أنهم غدروا بالظبي حيث كان نائماً ولكنه حذر فلو لم يكن نائماً لهرب منهم وهو كان يبكي نفسه فقد غفل عنهم كالنائم وإلا لكان هرب بمحبوبه حيث لا يجدونه .

جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.