عواء الذئب


عواء الذئب
الاستاذ طلال السعيد


– هذه الحكاية ككثير من الحكايات التي تصلنا مجهولة أسماء أبطالها وذلك نظرًا لمضي فترة طويلة عليها أو لعل الرواة اهتموا بالقصة أكثر من اهتمامهم بأبطالها، أو لأن أبطالها ليسوا من المشهورين كالأمراء أو الفران والذين يحصرون على أسمائهم قبل حكاياتهم، المهم أنها وصلتنا بدون أسماء أصحابها وهكذا نوردها.
– يقول الراوي:
– كان هناك رجل بالبادية متزوج من امرأة ليست من قبيلته، بل كانت من قبيلة أخرى مجاورة لقبيلته، ومرت عليه فترة سنة وهو وزوجته يعيشان بأحسن حال، وقد اختلفت القبيلتان وحصل بينهما نزاع كان زوجها طرفًا فيه. وكان إخوتها من الجهة المقابلة أطرافًا بهذا النزاع واشتدت الأزمة بين طرفي النزاع مما حدا بإخوان الزوجة أن يأخذوها ليلًا من بيت زوجها نكالًا له، وهي لم تكن راضية بفراقها لزوجها وكذلك زوجها الذي كان يحبها حبًّا كبيرًا أيضًا. ومرت فترة طويلة بعض الشيء على فراق الزوجين والكل منهم كان يريد الآخر ولكن النزاع الحاصل حال بينهما.
– ضاقت الأرض بالزوج، فهو يريد زوجته ولا سبيل لوصوله إليها، ففكر بطريقة. أن أرسل إليها إحدى عجائز القبيلة تبلغها برغبته بلقائها، ورسم لها خطة للقاء، وبالفعل ذهبت العجوز للزوجة وأبلغتها بذلك فرحبت الزوجة بالفكرة.
– ولما كانت الليلة الموعودة حيث كان الوعد بينهما بعد غياب القمر فلم تكن هناك ساعات المهم لما غاب القمر جاء الزوج للمكان المتفق عليه وكمن بحيث لا يراه أحد. ثم أخذ بالعواء كعواء الذئب ثلاث مرات متتابعة. عرفته الزوجة حيث كانت تعلم بالخطة سلفًا وذهبت إليه وجلسا بعد طول الفراق يشكو كل منهما حاله للآخر بعد الفراق حتى إذا ما جاء الفجر افترقا وعاد كل منهما لقبيلته.
– مضى على هذا اللقاء فترة أشهر. ويقسم الله سبحانه أن تحمل المرأة من زوجها كنتيجة لذلك اللقاء. ويكبر بطنها فيراه أخوها ويهددها بالقتل فمن أين لها ذلك الحمل وقد فارقت زوجها منذ فترة طويلة ولم تكن حاملًا؟
– فأعلمت شقيقها بحقيقة ما حصل بينها وبين زوجها ووصفت له المكان وأعلمته بكل ما جرى.
– فقال الأخ سأذهب أنا لزوجك وأتأكد من حقيقة ما حصل فإن لم يكن صحيحًا فليس لك عندي غير السيف.
– ولم تكن القبيلتان على وفاق فكيف يذهب، فكر الأخ واهتدى إلى طريقة. فلما جن الليل تنكر وذهب إلى قبيلة زوج أخته ودخل مجلسه وجلس ولم يعرفه أحد، ولما سكت المجس تناول الربابة وأخذ يغني عليها:

يا ذيب(1) يللي تالي الليل عويت(2) = ثلاث عوياتن(3) على ساق(4) وصلاب(5)
سايلك بلله(6) عقبها(7) ويش سويت(8) = يوم الثريا راوست(9) والقمر غاب

– غنى هذه الأبيات على الربابة ثم توقف ووضع الربابة مكانها وعاد إلى مكانه. فعرف الزوج أن هذا أخو زوجته وفهم أن زوجته حامل كعادة البدو في سرعة اللمح وشدة الذكاء. فتقدم وتناول الربابة وأجاب:

أنا أشهد أني عقب جوعي تعشيت = وأخذت شاة الذيب من بين الأنياب
على النقا وإلا الردى ما تهقويت = وادو حلالي يا عريبين الأنساب

– فلما فرغ الزوج من أبياته فهم الأخ أن أخته كانت روايتها صحيحة وانسحب بدون كلام وفي الصباح أعادوا له زوجته.


(1) يا ذيب : يقصد الزوج .. لأنه تشبه بالذئب في عوائه .
(2) عويت : صوت الذئب .
(3) عويات : جمع عوية والعوية العواء صوت الذئب .
(4) على ساق : وراء بعضها البعض .
(5) صلاب : قويات يسمعها المنتظر .
(6) سايلك بالله : أسألك بالله .
(7) عقبها : بعد ذلك .
(8) ويش سويت : ماذا عملت .
(9) راوست : أي أصبحت على الرأس .

جميع الحقوق محفوظة © الراوي – سالفة وقصيد.