عيد الهراس


عيد الهراس
الاستاذ طلال السعيد


– هذه الحكاية غريبة، يغلب عليّ الظن أن للخيال دورًا كبيرًا في صياغة أحداثها، وصناعة موافقها، وقد كدت أعرض عن إيرادها لذلك؛ لولا أن كثيرًا من الرواة قد أجمعوا عليها ومنهم سمعتها.
– بطل حكايتنا “عيد الهراس” معروف الاسم مجهول النسبة حسب ظني فقد حاولت السؤال والتتبع والاستقصاء والمقارنة وبكل ما يستطيع المشتغل بالبادية وحكايتها من وسائل. حاولت أن أعرف إلى أي قبيلة ينتمي أو حتى في أي المنازل والمرابع جرت هذه الحكاية فلم أوفق، مع الحرص الشديد، وفي النهاية قررت أن أثبت هذه الحكاية كما سمعتها.
يقول الراوي:
– كان هناك شاب وابنة عمه يحب كل منهما الآخر محبة تفوق الوصف، وكان العاشقان على وشك الزواج؛ ولكن لكثرة مزاحهما مع بعضهما البعض قالت الفتاة أنا أجمل منك، ولو جلبت للسوق لاشتروني وتركوك.
– قال الشاب: من يشتريك، وماذا يعمل بك، أنا على الأقل يستفيد من يشتريني أسرح بالإبل، أو أحفظ الغنم، أو أعمل القهوة. احتد النقاش بينهما على هذا المنوال فقالت: لننزل للسوق ونرى. فكان بالقرب منهما قرية فنزلا للسوق ليبيعا نفسيهما. وكانت الفتاة بالغة الجمال فطمع بها أمير تلك القرية وأخذ يرفع السعر حتى أوقف سعرها فاشتراها، فركض له الولد ليعلمه أنه غير صادق وأن المسألة كانت من قبيل المزاح، فقال له: كان ذلك قبل أن أشتريها، أما الآن فلا. أعطاه ثمنها وأخذها وهي تصيح. وجلس الشاب في سوق القرية يبكي ولا يعرف ماذا يفعل. فرأته عجوز وسألته عن الخبر فصدقها الحديث. فقالت عليك بذلك الرجل في طرف السوق يبدو كالمجنون هو الذي يخلصها لك، اسمع عيد الهراس، لم يصدقها لأول وهلة فشكله لا يوحي بما روت عنه؛ ولكن لضيق حيلته سمع كلامها وذهب له فقال:

يا عيد أنا لي حاجتن محوج بها = من حرها ما يبرد الما لهيبها
أشكي عليك الحال يا عيد وانت لي = أنته غريم النفس وأنته طبيبها

فأجابه عيد:

عيّد وانا عيد اللوازم اليا أقبلت = صبورن على الشدات يوم ابتلي بها
وان كنت أنا الهراس أبو محمد = ما تنفع الشكوى لمن لا يثيبها

– سأله عيد عن الخبر فأخبره، فرسما خطة للسطو على أمير القرية في قصره وبقي الشاب بالخارج يراقب الطريق، ودخل عيد على الرجل وقتله وخلص الفتاة وأسلمها لابن عمها وأوصاه أن لا يصبح عليه الصبح وهو بالبلد وفعلًا هرب. وعاد عيد لمكانه. وفي الصباح انتشر الخبر فجاءت العجوز تسعى لعيد فسألته: أنت الضاوي والا القعيد. أي: أنت الذي دخلت أو الذي راقبت الطريق. عرف أنها على علم بالحكاية فاستل خنجره وقتلها فمات الخبر.


 

جميع الحقوق محفوظة © الراوي – سالفة وقصيد.