إذا لم يكن إلا الأسِنَّه ؟!

Share


متفرقات


إذا لم يكن إلا الأسِنَّه ؟!
الشيخ عبدالله بن خميس


كاد الفقر أن يكون كفرا.. فكم عزيز اذله ، وكم همة قعد بها دون مرادها .. كان حمد الممخور من المغايرة الروقة عزيز قوم في سماحته و مروءته . . وقد التوت به الحال ، وقسا عليه الزمن ، وضن عليه وقته بقوته ، الى جانب شيخوخته و عجزه .. وكان ابنه سهيل شابا ناشئا ، لم تحكمه التجارب ، ولم يرضه الزمن .. فما كان له _ و وضع والده ، ومن تحت ايديهما هكذا _ الا ان يطلب لهم قوتهم بكل حيلة و وسيلة ، ولو بالسرقة والنهب .. راض نفسه على ذلك ، وانجرد يروع كل حين آمنا في ماله ، حتى ضج من حوله ، وجأروا بالشكوى الى الحكام .. فما ثم الاسهيل الممخور، الذئب الاطلس ، الذي لا يمنع عنه ممتنع ، ولا ترد سطوته يقظة .. فاحتالت سلطات الملك عبد العزيز ( رحمه الله ) على القبض عليه ، وجلبه الى الملك بنفسه .. فلقد أخل بالأمن ، و أخاف السبيل .. ولما مثل بين يديه .. قال له : ما الذي حملك على هذا العمل المشين في بلاد اعز ماتفخر به الأمن وأغلى ماتحافظ عليه دماء الناس و أموالهم و اعراضهم ؟.. قال: والله ملحملنى الا الجوع عندى عجوز و شيخ هدهما الكبر ، و رعى جسميهما الجوع ، فهما شبحان ليس بهما الا روحاهما ، يطويان الليالي و الأيام ، واذا رأيتهما بكيت و بكيت حتى لم يبق في عيني قطرة لم أرقها .. فأنسى سلطة الأمن ، وانسى عار السرقة، وانسى كل شيء في سبيل الحصول على لقمة اضعها بين ايديهما .. فاقض ما انت قاض فلأن أفارق الحياة اهون على من أن اتذكر وضع الدى ، فتذوب نفسى حسرة وتتقطع كبدى حرارة.
فبكى الملك عبد العزيز لهذا البيان الذلق الحزين .. وقال اذهب ، فأنت طليق بر والديك ، ولك علَّى أن لا يجوعا بعد اليوم ..فقطع الفقر عنه و عنهما بمقرر دائم وعاشا بخير .. إلا أن المنية لم تمهل سهيلا ليتمتع بالراحة و بسطة الرزق فأخذه الموت .. وادخل الشيخ جده العاثر في مصيبة يهون عندها ما قبلها ، فطفق يقول:

اَلَى بَدَا نَجْمِ اليَمَنِ قِمْتَ اَخِيْلَه = وحَارَبْت مِمَا شِفْت بَاقِى رَقَادِى
والنِّجِر عَقْب سُهَيْل اَنَالِيْش اَشِيْلَه = جِعْل الدَّلاَل وَنِجْرَها للِنَّفَادِى
اُتلَى العَهَد بِه يَوْم رَبْعِى تَشِيْلَه = مُدَخَّلٍ وَسْط الهُدُوْم الجِدَادِى
عَليْه فيِّ الصُّبْح يَرْجِع ظَلِيْله = وفِيِّ العَصَرَ مِن يَمَّتِه بِالبَرَادِى

الى آخر ماجاء في قصيدته الحزينة الباكية ..
وعبرة القصة معالجة الحاكم لا حوال رعيته ، ومعاملة كل بما يليق به وله ..

وَوضْع النَّدَى في مَوضِع السيفِ، بِالعُلا = مُضِرٌ ، كَوَضع السيفِ في مَوْضِع النَّدى

رحمك الله يا عبد العزيز ، فكم لك من اياد لا تنسى ولا تحصى !! .


 

Share
جميع الحقوق محفوظة © الراوي – سالفة وقصيد.