قصة محمد المهادي من قحطان وجاره مفرج السبيعي من بني عامر


قصة محمد المهادي من قحطان وجاره مفرج السبيعي من بني عامر


شعراء وفرسان من الصحراء
الاستاذ محمد الهاجري


خرج محمد المهادي، من أمراء قحطان، ذات يوم في غزوة مع قبيلته كعادتهم؛ ولكنه أصيب بطلق أعياه، فقفلوا راجعين إلى ديارهم، والألم يبرح بمحمد المهادي من إصابته.
في الطريق مروا بالقرب من قبيلة سبيع من بني عامر، فقال المهادي لجماعته: اتركوني في ضيافة هؤلاء القوم حتى تبرأ إصابتي بعلاجهم فلن أستطيع مواصلة ركوب دابتي وأنا بهذه الحالة.
واستقبل مفرج محمد المهادي مرحبًا، وقام على علاجه حتى شفى، وأصبح الاثنان من أوفى الأصدقاء وأخلصهم.
وذات يوم لمح المهادي فتاة رائعة الجمال تندفع بالقرب منه وهي تحاول مداراة وجهها في خفر وحياء. وخفق قلب المهادي في صدره بشدة وأولع بالفتاة ولم يستطع أن يداري أمره عن صديقه مفرج فباح له بأمره.
وأنصت مفرج للمهادي وهو يصف له الفتاة ويطنب في جمالها فعرفها وأنها ابنة عمه. وسأل مفرج المهادي: وهل تعرف الفتاة إذا رأيتها. فأجابه: وهل يخفى علينا القمر!
واصطحب مفرج صديقه وسار به حتى أتيا إلى أحد بيوت الديرة، وصاح مفرج ينادي على الفتاة باسمها، فجاءت، ولما رآها المهادي خر مغشيًّا عليه. ولما أفاق قال لصديقه مفرج: نعم، هي التي سلبت لبي! قال مفرج: إنها ابنة عمي وسأزوجك إياها فليس لها حجير إلا أنا، وسأتخلى عنها لك شخصيًّا وليس لغيرك!
ولكن بعض الرواة يقولون إنّ مفرج كان قد عقد عليها فعلًا قبل ذلك بيومين، دون أن يعرف المهادي.
ومهما يكن من شيء فإن مفرج عندما روى القصّة لأبيه حبذ ما فعله مفرج قائلًا: زين ما فعلت يا ولدي.
تم عقد قران محمّد المهادي على الفتاة، وأدخلت عليه في نفس الليلة؛ ولكنه فوجئ بها تبكي، ولما استفسر منها عن سبب بكائها قالت: لا شيء! ولكنه ألح عليها أن تخبره بجلية الأمر، فقالت له: كنت البارحة زوجة لرجل، واليوم هأنذا زوجة لرجل آخر!
ارتعش المهادي واختل توازنه وكاد أن يقع لولا أنه تساند وسألها أن تفسر له الأمر، قائلًا: ومن كان زوجك البارحة؟ قالت له: إنه صديقك مفرج الذي آثرك على نفسه، وطلقني ثم زوجني لك!
وعندما سمع المهادي منها ذلك تراجع عنها دون أن يمسها. وفي الصباح خلع خاتمه الذي يحمل اسمه من اصبعه وقدمه للفتاة قائلًا: اذكروني إذا ألمت بكم ضائقة، أو أعوزكم شيء، فستجدني لكم ملبيّا.
بعد ذلك تزوج مفرج ابنة عمه بعد أن طلقها المهادي، وبعد خمس أو ست سنوات أجدبت أرض سبيع وصارت «محل»، ولم يستطع القوم أن يهتدوا إلى حل، وعندما لاحظت زوجة مفرج حيرته، قدمت له خاتم محمد المهادي وهي تقول: إن صديقك المهادي قد طلب منا أن نذكره إذا حز بنا أمر من الأمور فلم لا تقصده.
رحل مفرج من ديرة سبيع إلى ديرة قحطان حيث وجد صديقه المهادي، فرحب به بشدة وأكرم وفادته. كان عند المهادي زوجتان كل منهما تقيم وحدها في بيت شعر، فطلب من إحداهما أن تخرج من بيتها وليس عليها سوى ثوبها، وأن تخلي البيت بما فيه لمفرج.
من المصادفة أن الزوجة التي خرجت، وتركت بيتها كان لها ولد يذهب لصيد الغزلان والحباري وغيرها، ثمّ يعود لينام عند أمه.
قالت أم الولد لزوجة مفرج: إذا حضر ابني فأخبريه أن أمه قد انتقلت إلى البيت الثاني، وخشيت أم الولد أن يقتله مفرج إذا رآه في بيته وهو لا يعلم أنه اعتاد أن ينام عند أمه!
حضر الابن من الصيد، ورقد بجوار زوجة مفرج، وهو يحسبها أمه، وكانت زوجة مفرج قد استغرقت في النوم أيضًا، ولم تشعر بالولد عندما رقد بجوارها.
عندما رجع مفرج من عند صديقه المهادي، وجد هذه المفاجأة غير السارة في انتظاره، ولم يفكر لحظة واحدة في الأمر، بل استل سيفه، وأغمده في صدر ابن المهادي!
استيقظت زوجة مفرج من نومها فزعة، وتذكرت ما قالته لها أم الولد فصاحت في زوجها: لقد قتلت ولد المهادي!
سألها مفرج أن تقص عليه القصة، وما السبب الذي جاء من أجله ولد المهادي إلى هذا البيت. روت له زوجة مفرج القصة من بدايتها وكيف أن أم الولد قد طلبت منها أن تخبره بأن أمه قد رحلت من البيت ولكن النوم غلبها فلم تفعل!
أحس مفرج بمدى الورطة التي وقع فيها، ولم يجد بداً من الذهاب إلى المهادي وإبلاغه بالأمر.
بقدر حيرة وعذاب مفرج خشية إيلام صديقه، بقدر الهدوء والسكنية التي استقبل بها المهادي القصة. إذا قال لمفرج: إنه أمر الله وليس بيدنا شيء.
طلب المهادي من صديقه مفرج أن يكتم سر هذه القصة فلا يبوح بها لأحد، وكذلك أوصاه أن يطلب من زوجته الأمر نفسه.
حمل المهادي جثة ولده إلى المكان الذي اعتاد أن يرتاده لكي يلعب فيه مع أقرانه من عيال قحطان، وعثر الناس على جثة ابن الأمير؛ ولكنهم ترددوا في إبلاغه خشية أن يُتهموا بقتله؛ ولكن الخبر لم يلبث أن شاع وانتشر حتى وصل للأمير، الذي تصنع الحزن والألم وافتعل الغضب، وطلب من القبيلة أن تبحث له عن قاتل ولده.
لما مضى الوقت دون أن يهتدوا إلى الجاني، حمّل القوم جميعًا مسؤولية قتل ولده، وطالبهم بالاشتراك في دفع ديته، من كل واحد عشر نياق.
تجمع لدى المهادي سبعمئة ناقة، أعطى مئة منها لزوجته أم ولده، وقال لمفرج إنّ الستمئة ناقة الباقية تخصك؛ ولكنني سأحتفظ بها لك بعض الوقت ريثما ينشغل القوم بما ينسيهم الحادث ثم أعطيها لك.
برّ المهادي بوعده وتسلم مفرج الإبل، وأصبح من أيسر القوم وأغنيائهم، وأصبح من أقرب أصدقاء المهادي لا يكاد يفترق عنه يومًا.
كان للمهادي ابنة بارعة الجمال، أحبها أحد أبناء مفرج وأصبح شديد الولع بها، ولم يكن كفؤا للزواج منها، فصار يطاردها ويتعرض لها صباح مساء، والفتاة تزوغ منه وتتجنبه؛ ولكن إعراضها زاده إصرارًا، حتى ضاقت به الفتاة وعيل صبرها فأخبرت أباها بأمره.
لكن المهادي حرصًا منه على صداقته بمفرج، طلب من ابنته أن تبتعد عن الولد وتتجنبه؛ ولكنه ظل على عبثه وغيه. مضت الأيام والشهور والأعوام دون أن يتراجع أو يرعوي، فقالت الفتاة لأبيها: ألا تجد حلًّا أو تفعل شيئًا، وإلا تقع الكارثة!
هنا فقط بدأ المهادي خطته، فدعا صديقه مفرج إلى لعب الدامة معه، وصار كلما نقل حجرًا قال: ارحلوا وإلا رحلنا! ارحلوا وإلا رحلنا!
حاول مفرج أن يعرف ما يقصده المهادي من عبارته دون جدوى، فقد أعيته المحاولة، وأدركه التعب، ولم يسعفه ذهنه بشيء، وفي الصباح رحل مفرج وأسرته.
في المساء عاد مفرج على فرسه، وانزوى في مكان قريب من مجلس المهادي وجلس ينتظر علّه يظفر بكلمة أو حديث ينير له ذلك اللغز.
أخيرًا عندما انفض مجلس المهادي وأصبح وحده تناول ربابته ومضى ينشد يقول:

يقول المهادي والمهادي محمد = بي علة كل الملا ما دري بها
أنا وجعني من علة باطنية = بأقصى الضماير ما دري وين بابها
تقد الحشا قد ولا تنثر الدما = ولا يدري الهلباج عما لجا بها
إن أبديتها بانت لرماقة العدا = وإن أخفيتها ضاق الحشا بالتهابها
أربع سنين وجارنا مجرم بنا = وهو مثل واطي جمرة ما درى بها
لو كان وطاها بكبد الرجل حتى تمكنت = ما كان يطفي بارد الماء التهابها
ترى جارنا الماضي على كل طلبه = لو كان ما يلقى شهود غدا بها
وياما حضينا جارنا من كرامه = بليل ولا نبغي الغبا ما درى بها
وياما عطينا جارنا من سبيه = لا قادها قوادهم ما انثنى بها
ونرفى خمال الجار لو داس زله = كما ترفى البيض العذارى ثيابها
ترى عندنا شاة القصير بها اربع = يحلف بها عقارها ما درى بها
تنال بالمهادي ثمان كوامل = تراقي وتشدي بالعلا من اصعابها
لا قال منا خيّر فرد كلمه = بحضرات خوفٍ للرزايا وفى بها
الاجواد وان قاربتها ما تملها = والانذال وان قاربتها عفت ما بها
الاجواد وان قالوا حديث وفوا به = والانذال منطوق الحكايا كذابها
الاجواد مثل العد من ورده ارتوى = والانذال لا تسقي ولا ينسقى بها
الاجواد تجعل نيلها دون عرضها = والانذال تجعل نيلها في رقابها
الاجواد مثل الزمل للشيل ترتكي = والانذال مثل الحشو كثير الرغا بها
الاجواد لو ضعفوا وراهم عراشه = والانذال لو سمنوا معايا صلابها
الاجواد يطرد همهم طول عزمهم = والانذال يصبح همها في رقابها
الاجواد تشبه قارت مطلحبه = لا دارها البردان يلقى الذرا بها
الاجواد تشبه للجبال الذي بها = شرب وظل والذي ينهقا بها
الاجواد صندوقين مسك وعنبر = لا فتّحت ابوابها جاك ما بها
الاجواد مثل البدر في ليلة الدجى = والانذال ظلما تايه من سرى بها
الاجواد مثل الدر في شامخ الذرا = والانذال مثل الشري مر شرابها
الاجواد وان حايلتهم ما تحايلوا =  والانذال أدنى حيلة ثم جابها
الانذال لو غسلوا يديهم تنجسّت = نجاسة قلوب ما يسر الدوا بها
يا رب لا تجعل للاجواد نكبه = من حيث لا ضعف الضعيف التجى بها
انا احب نفس يرخص الزاد عندها = يقطعك يا نفس زهابها هبابها
يا عل نفسن ما للاجواد عندها = وقار عسى ما تهتني في شبابها
عليك بعين السيح لاجيت وارد = خل الخباري فان ماها هبابها
وإلى سرت منا يا سعود بن راشد = على حرة نسل الجديعي ضرابها
سرى وتلقي من سبيع قبيلة = كرام اللحى في طوع الايدي لبابها
فلا بد ما نرمي سبيع بغاره = على جرد الايدي لا درعوها زهابها
وانا زبون الجاذيات المهادي = الى عزبوا ذود المصاليح جابها
عليها من اولاد المهادي غلمه = اليا طعّنوا ما ثمنوا في اعقابها
محا الله عجوز من سبيع بن عامر = ما علّمت غرانها في شبابها
لها ولد ما حاش يوم غنيمة = سوى كلمت عجفا تمزا وجابها
يعنّونها عسمان الايدي عن العضا = محا الله دنيا ما خذينا القضا بها
عيون العدا كم نوخن من قبيلة = لا قام بذاخ الا جاعر يهابها
وأنا اظن دار شد منها مفرج = حقيق يا دار الخنا في خرابها
وأنا أظن دار ينتويها مفرج = لا بد ينبت زعفران ترابها
فتى ما يظلم المال إلا وداعه = ولو يملك الدنيا جميع صخى بها
رحل جارنا ما جاه منّا رزيّه = وان جتنا منه ما جاه منا عتابها
وصلوا على سيد البرايا محمد = ما لعلع القمري بعالي هضابها

عندما استمع مفرج لقصيدة المهادي وهو ينشدها بمصاحبة ربابته، أدرك سر قول صاحبه: ارحلوا والا رحلنا!
احمر وجهه من الغضب وعاد إلى داره وهو يعرف أن أحد أولاده هو السبب؛ ولكن من؟ إنه لا يعرف، إنّ لديه ثلاثة أولاد فمن منهم الذي ارتكب هذا العمل المشين؟
دعا إليه أبنائه واحدًا واحدًا، وصار يقول لكل منهم: ألم تصادف في طريقك ابنة صديقنا المهادي الرائعة الجمال، وما رأيك فيها، وألم تغازلها؟ لقد كنت في سنك لا أترك واحدة في جمالها دون أن أصيب منها شيئًا!
أخذ يستدرج أبنائه واحدًا واحدًا، واستنكر اثنان منهما أن يكون هذا شأنهما مع ابنة صديق أبيهم الحميم ومضيفهم المهادي.
أما الثالث وهو أصغرهم فقد بادر أباه بفرحة: لقد كنت أهم بأن أطلعك على هذا الأمر ولكنّك سبقتني!
سأله أبوه كيف كان ينوي أن ينالها، فقال له: إنّه قد أعد حبلًا يربطها به وهو يهددها بخنجره، ثم ينال مأربه. … واستلّ مفرج مفرج سيفه وحز به رأس ولده ووضعه في كيس وطلب من أحد أبنائه أن يحمل الكيس إلى صديقه المهادي ويضعه أمامه دون أن يتفوه بكلمة واحدة ويعود إليه.
فعل ابنه ما أمر به وعاد لأبيه ينبئه بأنه قد نفذ مهمته.


المصدر : كتاب شعراء وفرسان من الصحراء للاستاذ محمد الهاجري ص 83

Comments are closed.