890


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


أورد ابن الجوزي في كتاب الأذكياء أن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور جلس في إحدى قباب مدينته بغداد، فرأى رجلاً ملهوفاً مهموماً يجول في الطرقات، فأرسل من أتاه به، فسأله عن حاله، فأخبره الرجل أنه خرج في تجارة فأفاد مالاً وأنه رجع بالمال إلى منزله فدفعه إلى أهله، فذكرت امرأته أن المال سرق من بيتها، ولم تر نقباً ولا تسليقاً، فقال المنصور: مذ كم تزوجتها؟ فقال منذ سنة، فقال: بكراً هي تزوجتها؟ فقال: لا، قال: فلها ولد من سواك؟ قال: لا، قال: أشابة هي أم مسنة؟ قال: بل حديثة، فدعا له المنصور بقارورة طيب كان يتخذه له حاد الرائحة، غريب النوع، فدفعها إليه وقال: تطيب من هذا الطيب فإنه يذهب همك، فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور لأربعة من ثقاته ليقعد كل على باب من أبواب المدينة واحد منكم، فمن مر بكم فشممتم منه رائحة هذا الطيب فليأتني به، وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته وقال لها: وهبه لي أمير المؤمنين فلما شمته بعثت إلى رجل كانت تحبه وقد كانت دفعت المال إليه، فقالت له: تطيب من هذا الطيب فإن أمير المؤمنين وهبه لزوجي، فتطيب به الرجل ومر مجتازاً ببعض أبواب المدينة فشم الموكل بالباب رائحة الطيب منه فأخذه فأتى به المنصور، فقال له المنصور: من أين استفدت هذا الطيب فإن رائحته غريبة معجبة؟ فقال: اشتريته، فقال أخبرنا ممن اشتريته؟ فتلجلج الرجل وخلط كلامه فدعا المنصور صاحب شرطته فقال له: خذ هذا الرجل إليك فإن أحضر كذا وكذا من الدنانير فخله يذهب حيث يشاء وإن امتنع فاضربه ألف سوط من غير مؤامرة، فلما خرج من عنده دعا صاحب شرطته فقال: هوَّل عليه وجرده ولا تقدمن بضربه حتى تؤامرني ((تخبرني)) فخرج صاحب شرطته فلما جرده وسجنه أذعن برد الدنانير واحضرها بهيئتها فأعلم المنصور بذلك فدعا صاحب الدنانير فقال له رأيتك إن رددت عليك الدنانير بهيئتها أتحكمني في امرأتك؟ قال نعم فقال: هذه دنانيرك، وقد طلقت المرأة عليك وخبره خبرها.


 

جميع الحقوق محفوظة © الراوي – سالفة وقصيد.