903


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


جاء في زهر الآداب لإبراهيم بن علي الحصري: قال بعض الظرفاء: اجتمع لقينة ((مغنية)) أربعة من عشاقها وكلهم يواري عن صاحبه أمره، ويخفي عنه خبره ويومي إليها بحاجبه، ويناجيها بلحظه، وكان أحدهم غائبا فقدم، والآخر مقيما قد عزم على الشخوص، والثالث قد سلفت أيامه والرابع مستأنف مودته، فضحكت إلى واحد وبكت إلى آخر، وأقصت الثالث وأطمعت الرابع، واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثه وشأنه فأجابته، فقال القادم، جعلت فداك أتحسنين ((يعني غناء)) :

ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا = وتول لعل آو عسى سيكون
وما اخترت نأي الدار عنك لسلوة = ولكن مقادير لهن شئون

فقالت أحسنه وأقيم لحنه، ولكن مطارحة لتستغني عنه لقربه منه وأنابه أحذق ثم غنت :

وما زلت مذ شطت بك الدهر باكيا = أؤمل منك العطف حين تؤوب
فأضعفت ما بي حين عدت وزدتني = عذابا واعراضا وانت قريب

وقال الظاعن جعلت فداك أتحسنين :

أزف الفراق فاحسني جزعا = ودعي العقاب فإنني سفر
إن المحب يصد مقتربا = فإذ تباعد شفه النكر

فقالت أنعم، وأحسن منه ومن إيقاعه ثم غنت:

لاقيمن مأتما عن قريب = ليس بعد الفراق غير النحيب
ربما أوجع النوى للقلوب = ثم لا سيما فراق الحبيب

ثم قال السالف، جعلت فداك أتحسنين :

كنا نعاتبكم ليالي عودكم = حلو المذاق وفيكم مستعتب
فالآن حين بدأ التنكر منكم = ذهب العتاب فليس منكم مذهب

فقالت: لا، ولكن أحسن منه في معناه وغنت :

وصلتك لما كان ودك حاصلا = وأعرضت لما كان نهبا مقسما
ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه = إذا كثر الوارد أن يتهدما

فقال المستأنف: أتحسنين جعلت فداك :

إني لأعظم أن أبوح بحاجتي = وإذا قرات صحيفتي فتفهمي
وعليك عهد الله ان بثثته = لحدا ولا اذنته بتكلم

فقالت: نعم ومن غناء صاحبه ثم قالت :

لعمرك ما استودعت سري وسرها = سوانا حذار ان تذيع السرائر
ولا خالطتها مقلتاي بنظرة = فتعلم نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بيني وبينها = رسولا فادى ما تجن الضمائر
أكاتم ما في النفس خوفا من الهوى = مخافة ان يغرى بذكراك ذاكر

فتفرقوا وكلهم قد أومأ بحاجته وأجابته بجوابه .


 

جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.