926


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


في رحلة عمل إلى اليابان عام 1406 هـ 1986 م سكنت في أحد فنادق مدينة طوكيو في قلب العاصمة وأقمت هناك أسبوعا كنت بعد انتهاء العمل اليومي أرتاح في غرفتي بعض الوقت ثم انزل إلى صالة الفندق لأرى الناس الداخل والخارج وربما وجدت أحدا أتحدث إليه وأقضي معه بعض الوقت حتى اشتهي النوم وأثناء تلك الجلسات لاحظت أن مجموعة من اليابانيين بملابسهم التقليدية اليابانية يصعدون من دوج جانبي وبعد حوالي ساعتين ينزلون منه ثم يخرج من يخرج ويبقى من يبقى في صالة الفندق الواسعة فدفعني حب الاستطلاع أن أسأل الاستعلامات عن ذلك فأجابني الرجل بأن هذه قاعة لحفلات الزواج، فسألته : هل يمكن أن أطلع على هذه الحفلات، فقال لي : إذا وجهوا إليك دعوة يمكنك ذلك، فقلت له : وكيف لهم أن يوجهوا إليَّ دعوة  وهم لا يعرفونني؟ وكل غرضي أن أرى كيفية مراسم الزواج عندكم، فهل تسمح لي بذلك فقال إنني لا أسمح لك ولا أردك لو ذهبت على مسؤوليتك فتوكلت على الله وذهبت إليهم، صعدت الدرج الذي أفضى بي إلى قاعة متوسطة أو غرفة كبيرة قدرت مساحتها 6×8 م بها مجموعة من الكراسي حوالي 30 كرسيا من كراسي الخيزران العادي توضع هذه الكراسي بقدر المدعوين بالضبط ، سلمت عليهم فاستقبلني واحد منهم يتحدث الإنجليزية غير بعيد عن معرفتي المتواضعة في اللغة فأخبرته أنني من مواطني المملكة العربية السعودية وعلمت أن هذا حفل زواج فأحببت إذا أذنتم لي أن أرى كيفية الحفل عندكم، فنقل كلامي إلى اللغة اليابانية، عند ذلك رأيت علامات الابتهاج على وجوه الحضور ووقفوا وحيوني بتحيتهم اليابانية انحناءة وابتسامة عريضة غارت معها العيون ثم أخذوا مجالسهم، وتكرم الذي استقبلني بأن أخلي لي كرسيه وطلب مني أن أجلس عليه وأخذ يشرح لي كيفية الحفل وكان العروسان هما اللذان يقدمان للمحتفين شرابا أصفر مثل عصير المنقة ولكنه أغلظ منه، ومن العادات عند إقامة الحفل أن يخبروا الفندق بعدد المدعوين بحيث يوضع كراسي بعدد المدعوين من 30،25،20 شخصا ويقدم هذا العصير على مقدار الضيوف وليس هناك وجبه طعام وإنما يكتفون بهذا الشرب وكل مدعو أو مدعوة يحضر معه هدية رمزية للعروسين مثل قطعة قماش بالنسبة للنساء وباقة زهور بالنسبة للرجال، ويكون العروسان قد أحضرا هدايا رمزية مماثلة للمدعوين وعندما يحضر المدعوون يتبادلون هذه الهدايا مع العروسين، فكل من قدم هدية للعريس أو العروس بادله هدية أخرى مع الانحناءات المتكررة والابتسامات العريضة التي تغوص بها العيون فلا يرى إلا ما يشبه الخطوط مع كلام رقيق وضحكات معبرة تدل على عمق الابتهاج بهذا الحدث ويدور الحديث خلال هذه الجلسة التي تمتد إلى حوالي الساعتين في جو الزواج وذكرياته كما أخبرني الرجل، وما لفت نظري هو لباس النساء الحريرية التقليدية الزاهية الألوان والصارخة في ألوانها عند البعض ، هذه الفساتين يسمى الواحد منها (( كيمونو)) وهو عبارة عن ثوب فضفاض يشبه العباءة له أكمام واسعة وتحته ملابس داخلية وعلى حوافه نقوش و زركشات رائعة وزوايد مميزة وهو مفتوح من الأمام وهومن الحرير الخالص الثقيل بألوان جميلة هادئة أحيانا وصارخة أحيانا أخرى عليه رسوم أشجار وزهور وحيوانات، وله حزام طويل عرضه نحو الشبر أو 20 سم وطوله بعضة أمتار وهومن نفس القماش يلف هذا الحزام على الوسط من فوق الفستان أو الرداء عدة مرات ثم تطوى بقيته عدة ثنيات ويربط على الظهر فترى السيدة التي ترتدي هذا الثوب وكأنها حملت على ظهرها شيئا، هذا الفستان أو الرداء هو فستان الزواج تحتفظ به المرأة طول حياتها حتى أنه كان من الحضور سيدات مسنات أعمارهن قد تجاوزت 80 عاما ولا تزال الواحدة منهن تحتفظ بفستان أو رداء زواجها وتعتز بارتدائه عند كل مناسبة، وسألت كم يكلف مثل هذا الفستان فقيل إنه يكلف ما يقارب 3000 ريال ولكنها تحتفظ به طول عمرها، فاعتذرت لهم أنني لم أحضر لهم هدية لعدم معرفتي بذلك تقبلوا عذري وزادوا ترحيبا وحفاوة وشكروني على ذلك فودعتهم وانفض الاجتماع وانصرف العروسان لوحدهما وركبا بسيارتهما من الفندق بعد توديع المدعوين لهما، وهنا دارت بي الأفكار حول هذه الأمة اليابانية العظيمة الغنية بما لها ورجالها وتقنيتها وصناعتها وغير ذلك مما تفتخر به ومع ذلك فمراسم الزواج فيها تتم بهذه البساطة وقلة التكاليف وتحتفظ المرأة بثوب زفافها طول عمرها تفتخر بارتدائه في كل مناسبة ونحن وللأسف الشديد الممزوج بالمرارة والأسى لم يشبع بعضنا من الأرز إلا منذ عقدين من الزمن وليس لدينا من مقومات الحياة التي يعتمد عليها الشعب الياباني، ومع ذلك نغالط أنفسنا وواقعنا ونبالغ في حفلات الزواج والمهور بما يتنافى مع مفهوم ديننا الإسلامي الحنيف وأخلاقنا العربية الكريمة ووضعنا المالي والاجتماعي والاقتصادي، والمرأة عندنا تشتري الفستان بآلاف الريالات ولا تلبسه سوى مرة واحدة، ولا أرى مردا لذلك إلا ثقتهم بأنفسهم وشعورنا نحن بالنقص الذي نريد أن نكمله بالمظاهر الكاذبة والتظاهرات الخادعة، اللهم أنقذنا مما نحن فيه.


 

جميع الحقوق محفوظة © الراوي – سالفة وقصيد.