1040


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روى ابن الكلبي قال: كان رجل من طي يقال له زيد بن عفير الطائي نازلا عند أخواله من كلب في الدهر الأول وذلك قبل حرب الفجار فأغار عليهم منسر من بني القين (منسر الجماعة من الخيل والقطعة من الجيش) فاستخفوا إبله فاستنفر أخواله، فأبطوا عليه، فعمد إلى جبل سائب فاكتفله (وهو أن يدار الكساء حول السنام ثم يركب عليه) وتوجه نحو الشام فقيل له: أتركب الحرام ؟ فقال: (يركب الحرام من لا حلا له ) فلما قرب من الشام مر بروضة غناء وغدران فقيد بعيره وأكل من نبات تلك الروضة واتضطجع، فبينما هو كذلك إذ أقبل فارس إلى الروضة فنزل عن فرسه وحط سرجه وقيد فرسه وقعد قريباً من مضطجع الطائي فاستيقظ الطائي بجرسه(صوته) فاستوى قاعداً فقال له الفارس: من الرجل ؟ فانتسب له وسأله عن شأنه فقص عليه قصته فقال له الفارس: يا هذا هل عندك طعام فإني طاو منذ أمس ؟ فقال له: أتطلب الطعام وهذا اللحم معرضاً. ثم وثب إلى سيفه فعقر بعيره ثم اجتنب سنامه وبقر من كبده وذلك بعين الفارس ثم أوقد ناراً عظيمة ثم اشتوى وأقبل يلقي إلى الفارس حتى انتهى، فما لبث أن ثار العجاج فإذا الخيل مقبلة تتوقص (التوقص وثب يقارب الخطو) بفرسانها حتى انتهوا إلى الفارس فحيوه بتحية الملك فركب وقال دونكم الرجل فأردفه بعضهم حتى أتى دار ملكه فإذا هو الحارث الأكبر الغساني (ملك الشام) فأمر بعض غلمانه بإنزال الطائي، وخاف زامل بن عتيل أن يكون قد نسيه الملك فقال للغلام: هل لك إلى أن توليني عارفة وتبلغ الملك ما أقول؟ فقال: أفعل فانشده :

أبلغ الحارث المرء في المجد = وبالمكرمات جداً فجدا
وأبن أرباب واطئ السبب = الأرحب والمالكين غورا ونجدا
أنني ناظر إليك ودوني = عائقات غادرت قربي بعدا
إن أكن نازلا بمثوى كريم = ناعم البال في مراح ومغدا
غير أن الأوطان يجتذب المرء = إليها الهوى وإن عاش كدا
والتأني بالشام مفيدي = حسرات يقددن قلبي قدا
ليس يستعذب الغريب مقاما = في سوى أرضه إن نال جدا

فتسبب الغلام إلى أن أنشد الملك الأبيات، فقال الملك: واسوءتاه، كرم ولاءنا، أأذن له يا غلام فلما دخل عليه قال: والله لا يرحض عارها (الرحض الغسيل بقوة لإزالة الأوساخ وغيره) إلا عطاؤك حتى ترضى ثم أمر له بجائزة سنية، وقال له: يا زامل، إن الأوطان جواذب كما ذكرت فهل لك في المقام في جملتنا يفئ عليك ظلنا، وتسيل عليك صلتنا؟ فقال: أيها الملك، ما كنت لأوثر وطني عليك ثم أقام بالشام .


جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.