1126


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


سمعت من اخي الكريم الكاتب المعروف وكيل وزارة الصحة سابقا الاستاذ الدكتور عبدالرحمن بن سعد العثمان الهاجري بعض القصص الاسطورية التي تناسب مادة الكتاب وسأورد شيئا منها في هذه الفقرة وفقرات اخرى .
يحكى ان رجلا كان مسافرا في طريق فألتقى بمسافر آخر علي نفس المسار , فاتفقا علي يصطحبا علي نفس الطريق وسارا معا , وما شعر هذا الرجل الا وقد سقط وعاء متاعه في احد مراحل الطريق فأخبر رفيقه بذلك فقال له رفيقه : انني اعتذر منك ان ترافقني , فما معي من متاع السفر لا يكاد يكفيني لوحدي فحاول ان يقنعه بمصاحبته دون ان يشاركه في زاده فأبى , وامرحا تلك الليلة وفي الصباح وجد هذا الرجل ان مطيته قد نفقت فعظمت مصيبته اكثر وحاول في رفيقه ان يحمل معه امتعته ويصاحبه سيرا علي الاقدام فأبى هذا وسار من عند رفيقه وهو في تلك الحالة , وهام الرجل علي وجهه لا يملك سوى قليل من الماء في قربته وامضى يومه يسير علي قدميه امرح ليلته وسار في صباح اليوم التالي وفي منتصف النهار نفد ما معه من الماء , حتى اذا حل وقت الاصيل رأى عن بعد لمعان الماء علي اشعة الشمس الذهبية فحث الخطى المجهدة ووصل الي الماء مع غروب الشمس وحلول الظلام فأرتوى من الماء وذهب عنه العطش لكن الجوع بدأ يلع امعاءه ووجد على شاطئ ذلك الماء سدرة كبيرة فأكل من اوراق الاشجار ما سد رمقه , وبات ليلته قرب الماء وفي الصباح سمع زئير الاسد من بعيد فصعد السدرة الكبيرة وجلس في قمتها اتقاء شر ذلك الاسد الذي اقبل اليها ولم يطل الوقت حتى اجتمعت السباع تحت تلك السدرة الاسد والنمر والفهد والذئب والضبع وآخرها الثعلب, وتصدر الجلسة الاسد حيث كلف كل واحد من هذه السباع لاحضار صيدته تحت هذه السدرة في يوم غد لاقامة وليمة كبيرة لجميع السباع , كل هذا يجري والرجل في قمة السدرة لم يعلم به احد منها يعيش في ساعة قلق ووججل خوفا من ان يراه او يشم رائحته احد من هذه السباع فيتسلق عليه احدها ويكون لقمة سائغة لهذه السباع وفي نهاية الاجتماع رفع الاسد رأسه الي السدرة وقال في زهو واختيال : الا تعلمون ان ورق هذه السدرة يشفي من العمى باذن الله, فهز كل واحد من هذه السباع رأسه مما يدل على انه فهم ما يقول سيد السباع, وتفرق الجمع كل الي وجهته لاحضار صيدته ليوم غد, وتنفس الرجل الصعداء زاطمأن علي سلامته من هذا الموت المحقق وبعد ان تفرقت السباع نزل الرجل من مكانه وخضد مجموعة من اغصان السدرة بورقها وحملها معه وتبع الثعلب لعلمه انه اقربها نجعة , وبالفعل سار الرجل وفي الاصيل وصل الي قرية هناك ومر علي صاحب بستان فوجده يسني سوانيه علي نخيله وسلم عليه, وكان الرجل صاحب الفلاحة كفيف البصر فرد عليه السلام وسأله عن وضعه فأخبره انه رجل غريب وجلس عنده وحدثه قائلا اترى لو ارتد اليك بصرك ماذا تدفع مقابل ذلك فقال : اعطي من يداويني فيرتد الي بصري نصف هذا البستان ونصف الارض ونصف البثر فقال احضر من يشهد علي قولك هذا فكاد الرجل الاعمى ان يطير من شدة الفرح ارسل الي من يشهد عليه , فبدأ الرجل الغريب يذر في عينيه من مسحوق ورق تلك السدرة , ولم يمض ثلاثة ايام الا وعاد الرجل الي الابصار كما كان, فأعطى الغريب نصف مزرعته وبقي في هذه القرية يداوي مكفوفي البصر فيشفون بإذن الله واشتهر امره وكان سلطان البلاد له ابنة وحيدة كفيفة البصر فأرسل اليه السلطان واحضره فداوى ابنته وعادت مبصرة فقال له السلطان ما تريد جزاءك ؟ فقال : ان تزوجني ابنتك , فقال اذا وافقت علي ذلك , واستشارها فوافقت فتزوجها واصبح وزيرا للسلطان وزوجا لابنته, وبعد فترة توفى السلطان فورثته في المنصب وصارت بمكان والدها وزوجها اصبح يجلس للناس بمجلس والدها ومضت الايام وصار عند السلطان مشروع اقامة قصر جديد فاستدعى مجموعة كبيرة من الفنيين و البنائين من مختلف الاقاليم , واستمر العمل في القصور شهورا , وفي احد الايام جاء نائب السلطان لتفقد المشروع فرأى من بين العمال ذلك الرجل الذي تركه في الطريق لوحده في يوم من الايام وبعد ان انتهى وقت العمل استدعاه الي مجلسه ولم يكن هذا العامل يتوقع ان رفيقه في السفر ذات يوم وصل الي ما وصل اليه وعندما وقف امام نائب السلطان في رهبة وخوف قال له : اتعرفني يا رجل ؟ قال : لا والله يا مولاي , يقول ذلك وفرائصه ترتجف من الخوف , فقال السلطان : اتذكرني ؟ فقال : والله يا مولاي لا اذكر اي شيء , قال : انا رفيقك الذي تركته في السفر بالطريق الفلاني , فصعق الرجل وخر علي الارض مغشيا عليه خوفا من عقاب السلطان ومجازاته له علي اساءته اليه اساءة بمثلها , وربما اعظم منها لكن السلطان كان علي العكس , فعندما عاد اليه وعيه اجلسه الى جانبه وقربه اليه ورفع مكانته وجعله مشرفا علي ذلك المشروع وصار من خاصته و عاش بقية حياته معززا مكرما وكان جزاء الاساءة احسانا .


جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.