1139


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


يحكى أن شاباً عاش بكنف والدته التي تعمل وتكدح في سبيل الحصول على لقمة العيش لها ولابنها تحفر الصخر بأظفارها لهذا الهدف ولما شب ابنها على الطوق وشعر بالرجولة تدب في أوصاله أرادت أمه أن يؤدي فريضة الحج قبل أن يدخل الحياة العامة فأمنت له الراحلة والزاد وكانت قد جمعت حصيلة ما أفنت من عمرها من دريهمات قدرها ثلاثمائة دينار وكانت تمثل ثروة كبيرة في مقياس ذلك الزمن وعندما سارت قافلة الحجاج سار معها أعطته هذه الحصيلة وقالت له عليك أن تشتري بهذه النقود بضاعة تبدأ حياتك فيها، أخذ الشاب المال ، ولما وصل إلى مكة وأدى فريضة الحج وجد منادياً ينادي في السوق (يحرج ) على نصيحة فسأله عن قيمتها فقال مئة دينار ، فنقده المبلغ وقال ما هي النصيحة فقال :”لا تخن من ائتمنك” فكتبها علي ورقة معه وفي اليوم الثاني وجد “محرجاً” ثاني ينادي في السوق من يشتري النصيحة ؟ فسأله عن قيمتها فقال مئة دينار فنقده المبلغ وسأله عن النصيحة فقال : “العين وما شاقت والنفس وما طاقت”، فكتبها بالورقة وفي اليوم الثالث وجد “محرجاً” ثالثاً ينادي من يشتري النصيحة فسأله عن قيمتها فقال مئة دينار فنقده آخر ما معه من المبلغ ، وكتب النصيحة الثالثة وهي “إذا وافقك خير وافقه” وعاد مع قافلة الحج على أمه خالي الوفاض إلا من هذه النصائح وعندما أخبرها بذلك ما كان منها إلا أن طردته بحنق ،فخرج طريدا شريدا حتى استقر به المقام في غرفة على بوابة مقبرة البلد فصار يأخذ على كل جنازة تدخل المقبرة مبلغاً من المال وتوفرت له لقمة العيش بهذه الطريقة مدة من الزمن فلا يدخل المقبرة جنازة إلا بعد أن يدفعوا له ذلك المبلغ حتى جاء اليوم الذي أحضر فيه جنازة ابنة السلطان فأبى أن تدخل حتى يدفع المبلغ المعلوم ووصل الأمر إلي السلطان فاستدعاه وسأله عن وضعه فقال : إنني لم أجد طريقة للحصول بها على لقمة العيش إلا بهذا المسلك واعتبرتها فرصة سانحة وأعجب السلطان بمنطقه وشكله ، وقال له : إنني أريدك للعمل عندنا وتترك باب المقبرة فبقي يعمل عند السلطان وشيئاً فشيئا حتى صار من خدمه الخاص وصار يدخل بيته ، ونظراً لما يتمتع به من وسامة وجسامة فقد راق لزوجة السلطان ثم أغرمت به لدرجة أنها راودته عن نفسه وهو يتحصن خلف النصيحة التي اشتراها بمئة دينار وسببت طرده من أمه “لا تخن من ائتمنك” ولما يئست منه بحضور السلطان طلبت أن تؤدي فريضة الحج ومن باب ثقة السلطان فيه قد أرسله مع زوجته مرافقاً لها في رحلة الحج التي تدوم أكثر من شهرين وعندما أبعدت المرأة عن السلطان حاولت فيه المرة تلو الأخرى وفي كل مرة يرفض عرضها فحنقت عليه أيَّما حنق وفي طريق العودة مرت قافلة الحجاج في بئر شحيح الماء ويحتاج من يستقي منه أن ينزل إنسان يغرف في الدلو حتى تمتلئ وبداخل هذا البئر عفريت من الجن لديه زوجتان أو عشيقتان إحداهما غاية في الجمال وأخرى في أقصى درجات القبح ولكنه يحبها أكثر من الجميلة وكلما دخل عليه البئر أحد ليستسقي سأله عن أي المرأتين أجمل ومن قال علي الجميلة قتله , ولهذا اشتهر هذا العفريت بأن من دخل عليه قتله, وعندما وصلت القافلة إلى ذلك المورد أمرت وزير الملك بأن ينزل في البئر علَّ العفريت أن يقتله وتتخلص منه, وما أن نزل في البئر وسأله العفريت عن أي المرأتين أجمل أجابه بتلك النصيحة التي اشتراها بذلك المبلغ من المال فقال: ((العين وما شاقت)) فتركه العفريت وروى لرفاقه وخرج سليماً , فزاد حنق زوجة السلطان عليه, وعندما اقترب من المدينة على مسافة يوم وليلة كتبت كتاباً للسلطان تبشره فيه بوصولهم في اليوم الثاني وقالت في الكتاب: إذا وصلك حامل الكتاب فاقتله فوراً دون أن تذكر أسمه وختمت الكتاب وأرسلته معه لنقل البشارة إلى السلطان فأخذ الكتاب واتجه إلى هدفه وفي طريقه نزل في حي من العرب لديهم احتفال بمناسبة معينة وعندما علموا أنه وزير السلطان اهتموا به كل الاهتمام وأصروا على إكرامه وإبقائه عندهم تلك الليلة وعندما أخبرهم أنه يحمل خطاباً به بشارة للسلطان بقدوم زوجته وقافلة الحج التي معها ولا يستطيع التأخر قالوا له: سوف نرسل من يوصل الخطاب للسلطان في الحال وتبقي عندنا هذه الليلة حتى الصباح وتذكر النصيحة التي اشتراها بجزء من ثروته ألا وهي : ((إذا وافقك خير وافقه)) فبقي عندهم وأرسل الرسالة مع احد رجالهم الذي أوصلها مسرعاً وكان يأمل أن ينال جائزة من السلطان على هذه البشرى لكنه وللأسف لاقى حتفه حال وصوله وفي الصباح توجه الوزير ووصل إلى السلطان قبيل وصول القافلة بقليل وعندما وصلت الزوجة وجدت الوزير بجانب السلطان يستقبلها فبهتت وكادت أن تصعق وكادت أن تفقد الحياة وبقي علي مكانته وعزه وقربه من السلطان بعد أن فشلت كل محاولاتها التي نجا منها بفضل الله ثم بفضل النصائح التي اشتراها بحصيلة والدته وبعد فترة توفى السلطان وحل محله في السلطنة وتزوج المرأة للإبقاء علي كيان السلطنة وهنا أحضر والدته العجوز وأجلسها إلى جانبه وهو يقول لها : هذه ثمار جهدك وضريبة العرق الذي جمعتي بها تلك النقود التي اشتريت بها النصائح وقص عليها ما جرى له في سبيل الوصول إلى هذا المكان فسرت والدته وقالت: لقد صرت أبعد مني نظراً وأكثر سداداً في الرأي .


جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.