1163


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


الشاعر عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عثمان العنقري التميمي من أهل بلدة الحريق إلى الشمال الشرقي عن مدينة شقراء عاش فيها فلاحا في بداية حياته ونهايتها وبين ذلك عاش مدرسا ثم مديرا للمدرسة فلما أحيل على التقاعد عاد للفلاحة مرة أخرى فغرس بستان نخيل قرب بلديه وصار يقضي فيه جل وقته في النهار وقد كان طلب الرزق قبل عصر النفط موارده شحيحة وكان الشبان من أهل نجد يذهبون إلى أقطار الخليج العربي قطر والبحرين الكويت وغيرها طلبا للرزق وكان الشاعر مع من ذهب للكويت في عشر الستينات من القرنالهجري المنصرم وأمضى فيها بضع سنوات وهو شاعر مجيد قوي الديباجة وصين السبك عميق المعنى لكن للأسف الشديد أن شعره قد وضعه في ديوان مخطوط وجعله في صندوق خشبي ( شنطة خشبية ) وتركه في بيته الطيني القديم فالتهمته الأرضة (النمل الأبيض) وكل ما في داخله من أوراق بما في ذلك من الديوان فضاع كل شعره بهذه الطريقة ولم يبق منه إلا ما يحفظه من قصائد ومقطوعات وبالإضافة إلى شاعريته فهو راوية لشعر الآخرين لطيف المعشر أنيس المجلس ، روى لي على مسمع منه أحد رفاقه من أن الشاعر وقف مع صديقين له بعد خروجهم من صلاة العشاء في الشارع يتبادلون أطراف الحديث وهم وقوف واستمر هذا الحديث ساعات وساعات ولو يجلسوا أو يملوا من الوقوف قرب المسجد وما انتبهوا حتى رفع المؤذن أذان الفجر أي أنهم أمضوا الساعات من صلاة العشاء وصلاة الفجر وهو وقوف يتحدثون من (سالفة إلى سالفة) أي أنهم أمضوا قرابة ثمان ساعات بالإضافة إلى ما سبق فهو كريم النفس والكف ، أبي النفس لا يرضى الضيم من أحد ، يهوى المزاح ويعد المقالب لبعض الأصدقاء الذين ( يمون ) عليهم وكان من شأنه أنه عندما كان بالكويت نحو عام (1364 هـ 1944 م ) كان في ذلك الوقت يعد شرب (الدخان) التبغ أو (التتن) من أكبر المعائب بل يعتبر منقصة دينية ودنيوية وكان الذي يشرب الدخان يعتبر قد ارتكب جرماً مخزياً ، في هذا الجو نمي إلى علم أخيه الشاعر عثمان بن عبد العزيز العنقري وصديقه الشاعر عبد الله أن عبد الرحمن أو (دحيم) كما يسمى ترخيماً قد وقع في شرب ( النتن ) فأرسل إليه أبياتاً منها :

766 ثوب الدنس يا دحيم ما ينمشى به = وانته فهيم ترشد الناس بعلوم
767 يا ذيب ياللي ظاهر من ذيابه حذرا عن الزلات ما انته بملزوم

ولما وصلت الأبيات إلى الشاعر عبد الرحمن أجاب أخاه بقصيدة طويلة منها :

768 يا من لقلب كل ما جا عذابه = كنه يسطى فيه برماح وسهوم
769 الحال نشت واللحم ما بقي به = والعين عيت لا تبي غامض النوم
770 يا راكب اللي توما شق نابه = أصفر شبيه بالمواجيب معدوم
771 ومقفل يشبه لقوس الربابه = يزهى جديد الخرج والكور مرشوم
772 راعيه ما ينقل بدربه زهابه = أسبق من الطاير ليادار بالحوم
773 ملفاك عبد الله ليا جيت بابه = نوخ قعودك واعقله بالك يقوم
774 سلم عليه وقل لفاني كتابه = ساعة فتشته زود الهم بهموم
775 خطك جرح قلي وزود صوابه = زود عناي وحط بالقلب مرسوم
776 درب الدنس من قال لبسوا ثيابه = لو تبي تنشد كان تلقاه فيوم
777 ليتك تقول فلان عرضك حكي به = والله لا لزه لين يفراه بحلوم
778 انثر كتابه ثم أدقق حسابه = واحط جلده شارة فوق مزموم
779 أنا بري من دروب الخيابة = من رحت من نجد الين أمس واليوم
780 حتى التتن يحرم عليه شرابه = أدرى على المنقود من غير تعلوم
781 ويعض العرب حلو العسل والبلى به = يضحك تقل هذا صديق وهو قوم
782 يشبه لموس عضته في نصابه = وراع الطبع ما ينعدل عنه ملزوم
783 وما دبر الوالي لعبد رضى به = والخلق ما تقطع من الرزق مقسوم
784 وصلاة ربي عد ماطر سحابه = علي النبي ما رفرف البرق بغيوم


766- دحيم: ترخيم عبد الرحمن، ثوب الدنس: رمز إلى كل ما يسيئ للإنسان، يقول إن ما يشوه سمعة الإنسان لا ينبغى الركون إليه فانت رجل عاقل ترشد الناس فضلاً عن نفسك.
767- ذيب: رمز للذئب الحقيقى ويشبه به الرجال الحذرين، يقول إنك رجل طيب من رجال طيبين فحذار من إتيان شئ لا يناسبك أو يتماشى مع مكانتك.
768- يقول يا من لقلب مثل قلبى كلما حان عذابه فكأنما يطعن بالرماح أو يصاب بالسهام من شدة ما أعانى.
769- نشت: ضمرت، عيت: أبت، تبي: تريد، يقول إن حلى قد ضمرت ولم يبق عليها لحم وعيني حاربت لذة النوم منذ أن جاءنى منك هذا الكلام.
770- ما شق نابه: لم ينفطر نابه أى أنه فتى من الإبل، ينادى الشاعر صاحب ذلك الجمل الفتى ذا اللون الأصفر وهو من جياد الركاب.
771- مقفل: ضامر منحنى مثل قوس الربابة، يزهى: يزدهي، الخرج: ما يوضع على المطية فصيحة،الكور: شداد المطية فصيحة، يقول إن ذلك الجمل ضامراً منحنى مثل انحناء قوس الربابة ويزدهي بما يوضع عليه من الخرج والشداد.
772- راعية: راكبه، الزهاب: متاع السفر، يقول إنه سريع الجرى وقطع المسافات وصاحبه لا يحتاج لزاد السفر لسرعة ما يقطع من المسافة بين منطلقه وهدفه.
773- يقول إذا وصلت عند عبدالله فأرح مطيتك وأعقل جملك جيداً حتى لا يقوم إلى حين تقضى حاجتك المكلف بها.
774- لفانى: وصلنى، فتشته: ففلته، يقول إذا وصلت إلى عبدالله فسلم عليه وأخبره أننى منذ أن قرات رسالته فقد زاد همى هموماً وآلامى آلاماً.
775- خطك:رسالتك، يقول ان مضمون رسالتك قد جرح قلبى وزاد من إصابته وزاد علي ما كنت أعانيه أثر فى قلبى علامات لا تمحى.
776- تنشد: تسأل، فيوم: كذبن يقول إن الطريق الدنس لسنا من أهله ولله الحمد ولو أردت تقصى الخبر لم تجد له مصدراً موثوقاً وإنما هو مجرد أماذيب ملفقة نقلت لكم بقول يقولون.
777- ألزه: أرصه وأجبره، يفراه: يأتى بالحقيقة، يقول ليت مصدرك غير قول، يقولون، ويكون المصدر أن فلاناً قد جاء بالخبر والله لا حشرنه وأجبره على قول الحقيقة.
778- أحط: جلده، شارة: أشهر به، مزموم: مرتفع، يقول والله إننى انشر كذبه بعد تدقيق حسابه حتى أشهر به وأفضحه وأجعله بمكانة الشارة التى يرميها الناس.
779- دروب الخيابة: الطرق المشينة:لين، يقول إننى ولله الحمد برئ من الطرق المشينة منذ أن غادرت نجد إلى الكويت وحتى اليوم.
780- التتن: التبغ، المنقود: ما ينتقد فاعله، يقول إننى برئ مما نسب إلي من أننى أشرب التبغ (الدخان)أو(التتن) وإننى أتجنب الأمور التى ينتقدنى الناس عليها ومنها شرب التبغ أو الدخان.
781- تقل: كأنه، قوم: عدو، يقول إن بعض الناس يظهر لك وكأنه مذاق العسل وهو على العكس يكن لك كل البلاوى رغم أنه يضحك لك كأنه صديق وهو عدو لك.
782- عضته فى نصابه: النصاب المقبض يعنى أنه تعود أذيته علر بعه فسؤذيهم مثل الموس الذى يعود إلى مقبضه وصاحب الطبع يصعب تعديله عن طبعه.
783- يقول إن الأنسان يسير وفق ما قدر الله له والناس لا يقطعون من الرزق ما كتبه الله قسمة منه.
784- يختتم الشاعر هذه القصيدة بالصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم بعدد قطرات السحاب الذى يسقط على الأرض.

جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.