1182


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


يحكى أن شاباً عاش في كنف والده الثري وقد اجتمع حوله مجموعة من لداته من باب الصداقة فأخذوا عليه والقت وقطعوه عن مساعدة والده في إدارة أمواله, وكلما طلب منه أبوه ذلك اعتذر بحجة أنه يعيش مع أصدقائه, وكلما قال له أبوه أن هؤلاء أصدقاء الرخاء لا يفيدونك في شيء استنكر من أبيه ذلك واستمر في طريقته يزدحم حوله الأصدقاء النفعيين إلى أن مات أبوه وظل سارداً في غيه حتى أتى علي المال الذي خلفه له أبوه وكان يصرفه علي أولئك الأصدقاء إلى أن وصل في يوم من الأيام ولم يبق في المنزل إلا الفئران تذرعه روحة وجيئة لا تترك شيئا إلا التهمته, في هذه الأثناء حاول اللجوء إلى أصدقاء الأمس لكنهم اعتذروه الواحد تلو الآخر وتباعدوا عنه لدرجة أنهم إذا أرادوا الخروج في نزهة إلى البر ورضوا به أن يصاحبهم اشترطوا علي أن كل واحد يخرج ومعه الطعام الخاص به, ولأنه قد التصق بهم مدة طويلة فلم يستطع الابتعاد عنهم واضطر إلى الخروج معهم فكان يعد في بيته خبزة ليشارك بها رفاقه في طعامهم وأثناء وضعه لها في المنزل قد تهاجمها الفئران وتقرم من أطرافها , فإذا أحضرها إلى رفاقه استنكروا عليه وضعها وعندما قال لهم أن الفئران ربما قرمت الخبر فصارت هكذا كذبوه وقالوا له: إنك تأكل أطراف الخبز وتدعى أن الفئران أكلتها وهذا لا يعقل أن الفئران تقرم الخبز بهذا الشكل, وضاقت عليه الدنيا علي سعتها وتمنى الموت على الحياة وكان أبوه قد أوصاه بأن يشنق نفسه في حبل معلق في الغرقة الرئيسية في المنزل إذا ضاقت الحياة في وجهه وفضل الموت علي البقاء, وقد وصلت به الأمور إلى أن فكر في أحد الأيام أن ينفذ وصية والده, فوضع حبل المشنقة في عنقه وجذب الحبل فانصبت عليه النقود الذهبية والفضية من خشبة غليظة في السقف, وعند ذلك أدرك معنى وصية أبيه وعرف مغزاها فأخذ المال وحفظه ثم دعا رفاقه المذكورين إلى منزله بعد أن علموا أن أموره المادية عادت إلى سابق عهدها وأحضر لهم (هيم) وقد تثلمت أطرافه من الاستعمال والهيم كرة كبيرة من الحديد الصلب يكسر بها الصخور وقال لهم: انظروا إلى هذه الفئران كيف قرمت هذا الهيم فنظروا إليه وقالوا بلسان واحد: حقاً أن هذه الفئران قد أكلت أطراف الهيم قاتلها الله, وعند ذلك نهرهم بقوله: إخسئوا يا رفاق السوء, بالأمس كنتم تكذبونني عندما قلت لكم: أن الفئران تأكل اطراف الخبزة والآن تصدقون أن الفئران تأكل هيم الحديد الصلب, اخرجوا من بيتي والله لن أرى وجوهم مرة ثانية ولن تروا وجهي مرة أخرى .


جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.