1190


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان الناس في زمن مضى كل أمورهم تسير على البساطة وما تيسر نظرا لثقتهم بأنفسهم ومجارات لأحوالهم المعيشية فكانت وليمة العرس تقام في بيت العروس في وليمة تكبر أو تصغر, فقد تكون كبيرة يدعى إليها الأقارب والجيران الذين يصلون في المسجد المجاور أو أهل الشارع ، وربما أهل القرية أو جزء من سكان البلدة ، وقد يكون مختصرا على أهل العروسين والأقارب الأدنين مع قيمة لقمة الطعام في ذلك الوقت غير أن هذه الصور قد تغيرت الآن فطرأت على الناس بطاقة دعوة الزواج هذه البطاقة في نظري هي أساس المشكلة الحالية وقد قلت فيها قصيدة كاملة عنوانها ((البطاقة)) منشورة في ديوان ((هواجس)) هذه البطاقة التي تنم عن عدم الثقة بالنفس وتتقمص ثوب الوجاهة الاجتماعية بإيراد الأسماء الرنانة وأبيات الشعر وغير ذلك مما يخطر على أفكار بعض الناس فيطبع والد العروس ما بين (200-300) بطاقة ويطبع والد العريس مثلها في البطاقات المزخرفة والمصممة على أفضل التصميمات وأبرع الزخارف والرسوم والأشكال والألوان والورق الفاخر هذا العدد من البطاقات الذي يتراوح ما بين (400-600) بطاقة وربما أكثر من ذلك يحتم على الداعي حساب هؤلاء المدعوين من رجال ونساء وربما تضاعف هذا العدد مرات ومرات لأن الدعوة الواحدة تأتي لمنزل مكون من (10)أشخاص وربما أكثر من الصبايا والصبيان والأطفال معنى هذا أنه ربما أصبح هذا العدد للمدعوين يزيد عن ( 1000 ) شخص بين رجال ونساء وصبيان وصبايا وأطفال هذا بطبيعة الحال يتطلب من الداعي أن يؤمن لهؤلاءمكانا يتسع لهم ويؤمن لهم ما يقدم لهم من القهوة والشاي والمرطبات ثم بعد ذلك وجبة العشا، والفاكهة المصاحبة له أو الحلويات وطيب العودالقماري فما الذي يكفي هذه الجموع من الناس؟ بالطبع فإنهم يحتاجون إلى مكان فسيح وكمية كبيرة من الطعام مما يضطره إلى استئجار مكان للمدعوين ولا مناص له من اللجوء إلى قصور الأفراح أو الفنادق الكبيرة لتهيئة المكان المناسب وإعداد الطعام الكافي وقد نشأت قصور الأفراح في مطلع هذا القرن الهجري أي بعد عام (1400ه 1980م) منذ عشرين سنة من الآن وكان في الرياض عام (1405 هـ – 1985 م ) بضعة قصور والآن فيها العشرات من قصور أو صالات الأفراح .
ثم قامت قصور الأفراح في أنحاء مدن المملكة في كل من الرياض وجدة ومكة والدمام والمخبر وبريدة وعنيزة وتبوك وحائل ونجران وأبها وخميس مشيط وجازان وغيرها من المدن وأذكر أن أول قصر أفراح في حائل عام 1405 هـ 1985م هو قصر ((صبابة)) ثم أصبح بها الآن من القصور الجاهزة وما هو تحت الإنشاء نحو عشرين قصرا ، وأساس هذه الحركة هي بطاقة الدعوة للزواج كما أشرت آنفا ولو لم تكن هذه البطاقة لما دعي كل هؤلاء الناس وبالتالي لما اضطر الناس إلى اللجوء إلى قصور الأفراح والفنادق ، لدرجة أن الإنسان بموسم الزوجات في بداية العطلة الصيفية للمدارس يجد في بيته عددا من دعوات الزواج التي قد تتصادف أكثر من دعوة في ليلة واحدة وأحياناً يجد بطاقة دعوة من أناس لا يعرف أسماءهم قد سجلت بغير الأسماء المعروفين بها، وهذا البهرج الزائف والفخر الكاذب وأيم الله لهو مما يعقد قضية الزواج، ويدعو لعزوف الشباب عن الزواج واتساع قاعدة العوانس من الفتيات بسبب هذه المظاهر الخادعة الطارئة على مجتمعنا والتي نحن بغنى عنها، بقي أن نقول أن أجور قصور الأفراح ما بين6000-12000 ريال في المدن المتوسطة ، وما بين 10000-60000 ريال في المدن الكبيرة أما الفنادق تتراوح الأجرة فيها ما بين 30000-80000 ريالا هذه الأجرة لمدة 3 – 4 ساعات من 9 – 12 مساء واذا امتدت السهرة إلى ما بعد ذلك فهناك نسبة زيادة معينة عن كل ساعة هذه الأجرة لا يدخل فيها تكلفة وجبة الطعام التي تتراوح تكلفتها ما بين 10000-30000 ريال وربما أكثر في بعض الفنادق هذه المبالغ الكبيرة تذهب أدراج الرياح في ساعات، ولو أنها ذهبت لعروسين للاستعانة بها على الأحوال المعيشية أو بناء ورفو عش الزوجية لكان أفضل, هذه المبالغ مما يحمل على ظهر العريس ويرهقه أو يرهق ولي أمره ء وقد يرى العريس عروسه التي أثقلت كاهله بالديون وكأنها الغول ، وفي رأيي أن هذه المظاهر هي فقاعة اجتماعية أساسها من بقايا الطفرة الاقتصادية التي مرت بها البلاد، وستنتهي إن شاء الله بارتفاع نسبة من يزوجون بناتهم في بيوتهم بطريقة مختصرة وهذه النسبة موجودة الأن ولكن نرجو من الله أن تتسع بزيادة الوعي، وأن يثوب الناس إلى عقولهم وينظروا إلى واقعهم الاقتصادي والاجتماعي وأن يخافوا الله في أولادهم وبناتهم حتى لا تتسع رقعة العزوف عن الزواج من الشباب وقاعدة العنوسة من الشابات وعند ذلك قد تحدث لا سمح الله الكارثة الاجتماعية والأخلاقية ، أعود مرة ثانية في قول: إن ذلك كله حدث ويحدث بسبب تلك البطاقة اللعينة التي تجمع تلك الجماهير من الناس فإنا لله وانا إليه راجعون. )) فضلاً انظر كتابنا : حفلات الزواج مظهر حضاري أم فقاعة صابون 1425 هـ )) .


جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.