1203


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


مما يمر به الإنسان في حياته من تجارب قد يستفيد منها الآخرون ممن يحدث لهم نفس الظروف ففي عام ( 1374 هـ 1954 م ) كنت غلاما ببلدنا مدينة الروضة ولنا فلاحة نخيل ومزرعة في أعلى المدينة من الجهة الجنوبية الغربية أسمها ((العليا)) وبينها وبين الحي الذي نسكن فيه ثلاث شعب متفرقة من وادي اللقم الذي تقع عليه المدينة وذات يوم من أيام ربيع تلك السنة قبيل أذان العصر ظهر على المنشأ سحاب يبشر بنزول المطر فقال أبي سلمه الله لنذهب إلى البستان لعل الله أن يأتي بالغيث والسيل ونسقي نخلنا ((نعقده)) من الساقية وذهبت معه وجاءت سحابة من البرد الذي غطى وجه الأرض وصار عليها قرابة نص متر وانقلب لون الجبل من الأسود إلى الأبيض ثم تلتها بعد قليل سحابة ماء فذاب البرد وجاء سيل عرموم وزخرت شعب الوادي الثلاث من فوق الجيلان وتتابعت السحب الواحدة بعد الأخرى وامتلأ نخلنا من أول وهلة ثم غابت الشمس ونحن محاصرون بالسيل في البستان فأوقد أبي النار في غرفة بالبستان وجلسنا نتدفأ ومضى الوقت فصارت الساعة تقترب من العاشرة ليلاً بتوقيت هذه الأيام والأودية تكتظ مجاريها بالسيل القوي وكلما قلت لأبي متى نذهب إلى البيت قال لي: لننتظر حتى يخف السيل وحوالي الساعة الحادية عشر قال أبي: لنذهب إلى البيت، فأردت العبور مع أقرب نقطة من الوادي فمنعني من ذلك وقال يا بني إذا أردت أن تقطع الوادي وهو يجري هكذا فعلك أن :
1- تبحث عن مفرش الوادي ولا تقترب من محاشكه ومضائقه لأن المفرش يقل فيه عمق الماء وتقل قوة الاندفاع فربما غلبك السيل وأغرقك فالسيل أقوى منك.
2- إذا أردت عبور السيل فعليك أن تأخذ معك عصا غليظة تعتمد عليها وأنت تجري في السيل تضعها من الجهة المعاكسة لضغط السيل وتتحسس بها الطريق التي ستقطعها وتقيس بها عمق ما أمامك من السيل.
3- إذا سرت في السيل فلا ترفع قدميك من الأرض وعليك أن تجرهما جراً على الأرض حتى لا يرفعك السيل وحتى تلمس بقدميك وعصاك البقعة التي تسير عليها قبل أن تطأها فقد يكون أمامك منحدراً أو حفرة فتجنبها قبل أن تقع فيها.
وهكذا سرنا مع جانب الوادي للبحث عن المفرش وهو المكان المتسع الذي ينفرش فيه السيل بعيداً عن المضائق وعندما وجدناه جعلني أبي من جهة ضغط السيل حتى يمكنه إمساكي وإنقاذي في حالة تغلب السيل علي وأرشدني عن كيفية استخدام العصا أن اجعله معاكساً للضغط وأن أتحسس به بطريقة السحب عما أمامي وبدأنا بقطع الوادي بعرض حوالي كيلومتر وكان سيل البرد القارس بلغ مني إلي حد السرة وما خرجنا من السيل إلا وقد تخدر أسفل جسمي تماماً فلم أشعر بأن رجلاي مني وصارت أسناني تصطك من شدة البرد ثم وصلنا إلى المنزل حوالي الساعة الثانية عشرة ليلاً بتوقيت اليوم فوجدنا النار مشبوبة وكنت أود أن أرمي نفسي بها من شدة ما أعاني من البرد لكن أبي منعني وأبقاني على مسافة منها وعلى الفور أحضر ودكاً وأذابه على النار ثم دهن به أسفل جسمي ولفني بنسيج صوفي وأجلسني حول النار وتناولنا العشاء ولما سألته عن ذلك قال: لو اقتربت من النار وأنت في تلك الدرجة من البرودة لضرتك، لكن الأفضل أن تدفأ شيئاً فشيئاً حتى يزول البرد وتعود الحياة إلى هذا الجزء المتجمد من جسمك، وأضجعني حول النار ودثروني بدثار سميك، فلعل أحداً من القراء إذا مر به ظرف مماثل أن يستفيد مما عرفه غيره وجربه .


جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.