1214


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حدثَّنى بأنّفّة وشموخ وهو يداعب خرز مسبحته فقال: لله دَرُّ الغربيين فهم الذين يعرفون للحياة حقها ،قلت: وماذا أعجبك فيهم؟ قال: كل ما فيهم يعجبنى ، فقلت له حدد لى موضوعاً واحداً نتحدث فيه ،قال: موضوع تحديد النسل مثلا ، فإن الزوجين يكتفيان بواحد أو اثنين واقصى حد ثلاثة من البنين والبنا، ونحن العرب يملأ الزوجان بينهما من الأبناء والبنات إلى حدّ التخمة هذا إذا اكتفى الرجل بزوجة واحدة بحيث لا يستطيع الزوجان تربيو وإعالة وإعاشة وكسوة هذا العدد الكبير من الأبناء والبنات ، قلت له حسناً!! ألا تعلم أن هناك اختلاف بيننا وبين الغربيين، فالإنسان العربى المسلم وربما المسلمين عامة والشرقيين بصفة أعم يحبون الإكثار من النسل ،والغربيون يختلفون عنا فى ذلك، لأنهم ينظرون للأمور نظرة مادية بحتة، فهم يحسبون للطفل من حيث كونه فى بطن أمه إلى أن يولد ويعيش كم يكلف فى اليوم والشهر والسنة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والتعليم والعلاج ثم ينظرون كم التكلفة السنوية على مدى 18 عاماً وهى السن القانونية التى يلتزم بها الغربى بإعالة أبنائه يحسبون ذلك على أساس أنه يعيش على مستوى ممتاز أو جيد جداً ومن خلال هذه النظرة يقيمون تكلفة المولود الواحد ويرون ما إذا كان ذلك يتناسب مع دخل الأسرة فيهم ولا ينظرون إلى الجوانب التى ننظر إليها، ولا يرجون ما نرجوه من الأبناء والبنات، هذا الجانب المادى البحت هو الذى يقررون على ضوئه كم يمكنهم أن ينجبوا من الأبناء مغفلين فى غالبيتهم الجانب العاطفى والاجتماعى والدينى، هذه الجوانب المهمة التى لها وقع كبير فى نفوسنا تمشياً مع تعاليم ديننا الإسلامى الحنيف وأخلاقنا العربية الأصيلة وعواطفنا الشرقية الرقيقة ومكانتنا الأجتماعية المميزة، فديننا الإسلامى الحنيف يحثنا على الإكثار من النسل على لسان نبينا الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((تناسلوا فإنى مكاثر بكم الأمم)) أو ما فى معناه وما يرجوه الإنسان المسلم من أبنائه وبناته الذين يستغفرون له بعد كل صلاة، فلابن ذكراً كان أو آنثى إذا أصلحه الله وأدى الصلوات المكتوبة عليه وقال فى كل ركعة يركعها (سبحان ربى العظيم وبحمده اللهم أغفر لى ولوالدى)) فإنه يستغفر لوالديه حوالى 200 مرة فى اليوم والليلة عدا ما يتصدق به ويفعل أفعال الخير لوالديه، هذه الأعمال الدينية التى يعود نفعها على المسلم حياً أو ميتاً، فهى التى يرجوها الأبوان من ذريتهم وأحفادهم وأسباطهم، كما ان الأبناء زينة الحياة الدنيا كما جاء فى القرآن الكريم وكثرة الأبناء إن لم ينفع فليس فيه مضرة، فبلدنا حتى الآن فقيرة سكانيا وتحتاج إلى مزيد من السكان الذين يعمررون مساحتها الشاسعة كما أن من إيجابيات الكثرة أنه فيما لو فشل واحد أو اثنان أو أكثر م الأبناء فقد يعوض الله عن هؤلاء بنجاح الآخرين، أما إذا كان واحداً أو اثنين ولم يوفقهما الله فى طريق الحياة فإن خيبة الأمل ستعود على الوالدين وتخيم عليهم مرارة الحياة وهناك جانب، اجتماعى مهم وهو أمل الأبوين أن يعيشا فى كنف ورعاية أبنائهم وبناتهم وأحفادهم وأسباطهم عندما يحتاجون إلى ذلك فى سن الشيخوخة والكبر، هذا الجانب الذى أوصى به وحثَّ عليه ديننا الإسلامي الحنيف حيث جاء فى كلام رب العالمين قوله تعالى : (( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي أرحمهما كما ربيانى صغيرا )) الأسراء .
فهذا الأمل الذى يرجوه الوالدان من أبنائهم يجعلهما لا يندمان على كثرة الأبناء على اعتبار أنه لو لم يَعْتَنِ بهما هذا الابن أو ذاك فسيعتنى بهما الثالث أو الرابع ممن جعل الله فى قلبه الرحمة ووفقه للبر بوالديه، هذا الجانب لا يوليه الكثير من الغربيين أى اهتمام ولا يرجونه من أبنائهم فهم يعرفون مقدماً أنهم فى سن الشيخوخة سيودعون فى الملاجئ ودور المسنيين، أما الناحية المادية فهى آخر ما يفكر فيه الإنسان المسلم لإيمانه الراسخ أن هذا المولود رزقه على الله، فكل مولود يولد سيولد رزقه معه وسينال ما كتب الله له من الرزق فى هذه الحياة ولا يدرى الإنسان أين توجد البركة فى الرزق فقد يكون أحد الأبناء على قدومه البركة والبحبوحة فى العيش، وليس من الضرورى أن يعيش الفرد لى مستوى ممتاز مرفهاً منعماً، وإنما يكتفى من متاع الحياة بما يقيم أوده، وقد تَسَنَّم أوائلنا ذوى الرفعة والمجد وهم على عيش الكفاف ولعلَّ الرفاهية والنعومة مما يؤثر سلبا على الأجيال القادمة وعى العكس العيشة المتوازنة مما يؤثر إيجابا على تلك الأجيال، بدليل أن وصلوا الآن إلى قمم المسؤولية والدرجات العلمية العليا جلهم إن لم يكن كلهم قد خرجوا من بيئة متوسطة أو فقيرة بالإضافة إلى الجوانب العاطفية التى يتميز بها مجتمعنا العربى المسلم، تلك العواطف التى يفتقدها كثير ممن ينادون فى الغرب إلى تحديد النسل فضلا عن اعتزاز الأبوين بما يحققه أبناؤهم من نجاحات وبروز فى مجالات مختلفة فالإنسان فى كثير من بلاد الغرب موارده محدودة وظروف الحياة عنده مضغوطة من مأكل ومسكن، لهذا نظر للحياة بهذا المنظار فأعد الأبناء إعداداً آلياً لفترة محدودة، وأراد أن يعمم رأيه هذا على الآخرين فتلقفه من هو معجب بكل ما يصدر عن الغرب، أما نحن ولله الحمد فلم نبلغ حتى الآن إلى هذه المرحلة، ولذلك فنحن فى غنى عن هذه الافكار والمنادين بها، فما كان من محدثى إلا أن تنحنح وبلع ريقه وهو يغادر المكان دون أن ينبس ببنت شفة .


.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.