1217


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


أهدى إلي صديقي الأستاذ الأديب محمد بن عبد الله الحمدا مشكوراً صورة من كتيب (البؤساء في عصور الإسلام) الصادر عام 1925 م لمؤلفه محمود كامل فريد . فرأيت فيه شخصيات إسلامية ولتعريف القارئ على الأوضاع التي مرت بها تلك الشخصيات رغم شهرتها والمآسي والحاجة والعوز والفاقة التي مرت بها هذه الشخصيات وهنا أنقل موجزاً لما جاء في الكتاب بادئاً بالفارابي : محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلع بن طرخان من مدينة فاراب ببلاد الترك . طان إماماً فاضلاً وفيلسوفاً كاملاً ، برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها ، وتفنن في فن الموسيقى , واخترع فيه مالم يسبقه إليه أحد ، وشرح وكتب الأوائل , وكان أول أمره قاضياً ببلاده ، فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب أرسطا طاليس (الفيلسوف والحكيم اليوناني) فتلاها فصادفت عنده قبولاً فانكب عليها بجملته ، وتجرد من مركزه وترك القضاء لأجلها وسافر إلى بغداد وأقام بها ، وقرأ المنطق على ابن حبلان ، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج ، ثم سافر إلى مصر ومنها رحل إلى الشام وأقام إلى أن توفى رحمه الله عام 334 هـ 1945 م  ، وكان على ما هو عليه من العلم والحكمة والفلسفة قانعاً باليسير من عيشه ، ولم يتحصل من الرزق إلا على القليل التافه وفي آخر أيامه رتب له سيف الدولة (الحمداني ممدوح المتنبي) أربعة دراهم يصرفها في الضروري من حاجاته وترك من المآثر ما خلد اسمه على مر الأيام وهو أحد فلاسفة الإسلام الإعلام ، أخلاقه ، كان هادئاً وديعا عاقلاً دمث الأخلاق حاضر الذاكرة ، قوي الذهن ، لا يهاب أحداً ، وإن كان دائماً كثير الصمت ، إلا أنه شديد الحفظ ، له من عزة النفس العالية مكانة سامية تقتصر عنها همة الملوك وتسجد لعظمتها جباه العظماء. وقد قرأت عنه أنه دخل على مجلس (قد يكون مجلس سيف الدولة) بملابسه الرثة ومعه كيس به آلات وأعواد وجلس يركبها فتعجب الناس الذين حوله مما يفعل وبعد أن استكملها بدأ يعزف عليها فصار من بالمجلس يضحكون من أعماقهم ثم غير وبدل فيها وبدأ يعزف عليها فصار من بالمجلس يبكون بكاء حزيناً ، ثم غير وبدل فيها وبدأ يعزف فصار من بالمجلس ينعسون ثم غطوا في نوم عميق وفكك آلاته وأعادها إلى الكيس وخرج من المجلس والقوم يغطون في نومهم .
بقي أن أقول عالم وفيلسوف وفنان مثل هذا يقرر له سيف الدولة الحمداني الذي رفعه أبو الطيب المتنبي إلى عنان السماء ويقرر لمثل هذا العالم أربعة دراهم قد تكون في الشهر ؟!!


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.