1223


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


من منا لا يعرف الترمذي رحمه الله أحد رواة الحديث المشهورين فكثير ما نسمع من هم المحدثين الأحاديث التي رواها الترمذي وهو من علماء الحديث في القرن الثالث الهجري وقد أورد عنه صاحب البؤساء قوله : الترمذي الإمام العالم العامل محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الشافعي ، كان رحمه الله مطبوعا على الأدب ومكارم الأخلاق متحلياً بالفضائل ، سار ذكره مسير الشمس والقمر حتى ملأ الآفاق بعلمه ، ولم يكن للشافعية أرأس منه في وقته ولا أروع ولا أحشم ، وكان يقول : إن سعادة الحياة وهم باطل ، ونعيمها خيال مائل ، ومتاعها عرض زائل ، وسرورها أحزان ، ولذتها آلام ، ولو كنت أعجب من شيء ، فما أعجب إلا بمن تعلقوا بحب الدنيا ، وهاموا بسيادتها الموهومة ، وأطربهم سماع لفظة السعادة ، تلك الكلمة الحلوة ، حتى تخيلوها نعمة ما فتحت على ابن آدم على أتم منها حسناً ، ولا أجمل منها صورة ، وباتوا يتهالكون في السعي خلفها ليدركوها ، ولكنهم عجزوا عن لحاقها ولم يجدوها ، وأخيراً بحثوا عنها فلم يقفوا لها على أثر ، وأين يجدوا هذه السعادة ؟ أفي قصور الملوك ومقاصف الأمراء ؟ حيث يضرب الهناء قبابه ويوطد أطنابه ، وتتسرب الحظوظ في جميع أماكنها ، أم في بيوت الفقراء الحقيرة حيث يحل الفقر وينيخ ركابه . كان رحمه الله صبوراً على الشدائد والعيش الخشن حتى أنه ليصح عنه أن يقلب “بأمير البؤساء” قيل أنه من شدة فاقته مكث سبعة عشر يوماً لا يقتات إلا لِفتاً كل يوم وليلة ويأكل واحدة وتوفى إلى رحمة الله فقيراً معدما وعلى منتهى البؤس لا يجد قوت ليلة وكانت وفاته 265 هـ (907 م) رحمه الله وأسبغ عليه شآبيب رضوانه العجب ممن حوله من الأثرياء الأتقياء دعك من الخلفاء الذين يترفع عما في أيديهم ، أين قلوب هؤلاء الأثرياء الرحيمة عن مثل هؤلاء العظماء من الرجال لا يضمنون لهم معيشتهم على الأقل ؟


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.