1226


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


الإبل لها قدر من الذكاء ، تعرف صاحبها وتعرف المواطن التي عاشت فيها ولو بعد حين كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب ، وحنينها إلى اليفاتها والأمثلة على ذلك كثيرة ، كما أن لها عاطفة قوية تتمثل في الناقة التي يضرب المثل في حنينها على حوارها بما يصل إلى درجة الانتحار كما حدث لناقة ابن الرومي التي أشرت إليها في الجزء الأول من هذا الكتاب وغير ذلك كثير ، فإذا فقدت الناقة حوارها تكاد أن يصيبها الجنون فيضعون لها “ألبَوَّ” لا يهامها بأنه ولدها حتى تسلو عنه ، ومثالنا في هذا المقام كما سمعت أن رجلاً من العقيلات الذين كانوا يترددون بين نجد والشام وغيرها من الأقطار قد ضاعت له ناقة ومضى على ضياعها عشر سنوات ، وعند مروره مع رفاق له بفريق من البادية رأى ناقته مع ذود أحدهم ، فسأل عن أمير الفريق فدلوه عليه ، وعندما وصله قال : أنت شيخ هذا الفريق ؟ قال : نعم ، قال إنني عرفت ناقة لي ضاعت قبل عشر سنوات وهي مع ذود صاحب ذاك البيت ، فاستدعى الشيخ صاحب البيت وقال له : إن هذا الرجل يدعي أنه عرف ناقة له مع ذودك ، فقال صاحب الإبل : كل إبلي عندي مولدها و متلدها وليس بينها بعير غريب ، وبعد الأخذ والرد والمماحكة والمحاجة بين الخصمين وكانت الناقة غفلاًَ بدون وسم ، قال صاحب الإبل : إن كان له وسم عليها فليبينه ، قال العقيلي : ليس لي عليها وسم وإنما أريد أن “أشايع لها” وأدعوها باسمها وأريد منكم أن تعقلوها وتثنوها أي تعقلوا كلتا يديها ، وأعطوني ربابة سأعزف عليها وأناديها باسمها ونحن جلوس في مكان تسمع صوتي ، فإن هي بقيت في مبركها معقلة فليست ناقتي وإن أتتني فهي ناقتي لا جدال فيها ، فرضي الجميع بهذا الرأي وذهب الجميع في مكان تسمعهم فيه وعقلوها كما ذكر فأخذ الربابة وبدأ يعزف عليها “ويشايع” لها ويناديها باسمها فما كان منها إلا أن بدأت تزحف على ركبتها حتى وصلت الرجال فأسندت رأسها على منكب صاحبها ، فقال الشيخ : هذه ناقتك دون شك ، وأقر من هي عنده أنها وفدت إليه ودعا له بالبركة فيها وقال : أبشرك أن معها بكرتان بنات لها ، فقال العقيلي أما أحدهما فهي لك مقابل رعيتك لها وأما الثانية فأعطني إياها مع أمها وتسلم العقيلي ناقته وابنتها .


 

جميع الحقوق محفوظة © الراوي – سالفة وقصيد.