1361


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


ابن زريق : أبو الحسن علي بن زريق البغدادي الشاعر المشهور كان على غاية الفطنة ، والعلم والأدب ، عارفاً بفنون الشعر والإنشاء ، وكانت له ابنة عم ، وكان يحبها كلفاً شديداً ، ثم ارتحل من بغداد لفاقة أصابته ، فقصد أبا الخيبر عبد الرحمن الأندلسي ومدحه بقصيدة بلغية فأعطاه عطاء قليلاً ، فقال ابن زريق إنا لله وإنا إليه راجعون ، سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء ، ثم تذكر فراق ابنة عمه وما بينهما من بعد المسافة ، وتحمل المشقة مع ضيق ذات اليد (الفقر) فاعتل غمًّا ومات (قالوا) وأراد الأمير أن يختبره (يا له من اختبار قاسي وقاتل) فلما كان بعد أيام سأل عنه فتفقده في الخان الذي كان فيه فوجدوه ميتاً وعند رأسه رقعة مكتوباً فيها هذه القصيدة :

لا تعذليه فإن العذل يولعه =  قد قلت حقا وليس يسمعه
جاوزات في نصحه حداً أضر به =   من حيث قدرت أن العذل ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً =    من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعاً بالخطب يحمله =  فضلعت بخصوب البين أضلعه
يكفيه من لوعة التنفيذ أن له =    من النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه =   عزم إلى سفر بالرغم يزمعه
تأبى المطامع إلا أن تكلفه =  للرزق سعياً ولكن ليس يجمعه
كأنما هو في حل ومرتحل =  موكل بفضاء الله يذرعه
إذا الزمان هو في حل ومرتحل =  ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه
وما مجاهدة الإنسان واصلة =  رزقاً ولا دعة الإنسان تمنعه
قد قسم الله بين الناس رزقهم =  لا يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم كلفوا حرصاً فلست ترى =  مسترزقاً وسوى الغايات يقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت =  بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه =  عفواً ويمنعه من حيث يطمعه
أستودع الله في بغداد لي قمراً =  بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني =  صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي أن لا أفارقه =  وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى =  وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب العذر منخرق =  مني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته =  بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا =  شكر عليه فعنه الله ينزعه
اعتضت عن وجه خلِّي بعد فرقته =  كأساً يجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي ذقت البين قلت له =  الذنب والله ذنبي لست أدفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه =  لو أنني حين بان الرشد أتبعه
والله ما وقعت عيني على بلد =  في سفرتي هذه إلا وأقطعه
يا من أقطع أيامي وأنفذها =  حزناً عليه وليلي لست أهجعه
لا يطمئن لجنبي مضجع وكذا =  لا يطمئن له مذبنت مضجعه
ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني =  به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد =  عراء تمنعني حظي وتمنعه
وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاً =  فلم وق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل القصف الذي درست =  آثاره وعفت مذبنت أربعة
هل الزمان معيد فيك لذتنا =  أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله =  وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيع كما =  عندي له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا =   جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني =  به ولا ب في حال يمتعه
علماً بأن اصطباري معقب فرجاً =  فأضيق الأمر ما فكرت أوسعه
عل الليالي التي أحنت بفرقتنا =  جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه
وإن تغل أحداّ منا منيته =  لا بد في عدة الثاني سيتبعه
وإن يدم أبداً هذا الفراق لنا =  فما الذي بقضاء الله نصنعه


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.