1719


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روى لي الأستاذ مشعل بن فصيل الحسيني الشمري أن ابن رخيص من شمر أراد أن يغزو ايام السلب والنهب والغزو ، فنهض شاب في أول شبابه يريد الذهاب مع الغزو اسمه سلمان بن قدور السويدي الشمري رغم صغر سنه ورغم معارضة أمه ، ولما رأت أنه عازم على الذهاب للغزو أوصت عليه جعيثن بن عواد الخريصي الشمري ، ذهب الغزو إلى الغرب عن حائل جهة خيبر في ديار عنزة ، وعند اشتباك المغيرين مع المغار عليهم أصيب سلمان بإصابات بليغة بالقرب من خيبر قرب جبل اسمه (غمرة) وأصبح المصاب لا يستطيع الحركة إلا منقولاً على ظهر بعير بواسطة أعصية وحبال يربط بها على هذه الأعمدة ، واختلفت الآراء حول هذا الوضع حتى قال جعيثن إن هذا الشاب قد أوصتني أمه عليه وجعلته في لزمي ، وأنا مستعد للمكوث عنده حتى يتعافى من إصاباته ، فانقلوه معي إلى هذا الغار وبيني وبينكم السلامة ، ومتى تعافى جئت به وهكذا صار فحملوه معه وتركوهما في غار في جبل غمرة غير البعيد عن خيبر وذهبوا فقال جعيثن :

211- يا عيال يا مرتحلين على شيب =  أقفن من عندي جداد الإثاري
212- أقفن من عندي كما يقفي الذيب = يا طالع الشيَّان بليل غداري
213- يا كن صفق أذيالهن بالعراقيب = رقاصة دلَّت بزينه تماري
214- يا ابن رخيص عنك الزواريب = عمارنا يا ابن رخيص عواري
215- خوينا ما نصلبه بالمصاليب =  ولا يشتكي منامسيس الحبالي
216- لازم تجيك أمُّه بكبدة لواهيب =   تسأل عنه يالقرم والدمع جاري
217- تسألك باللي يعلم السر والغيب = وين ابني اللي لك خوي مباري
218- ابنك بقي بعاليات المراقيب =  بأرض قفر ما حوله إلا الحبارى
219- عنده خويَّة لين يبدي به الطيب =  والإيجيه من الصواديف جاري
220- وليا ما قمنا بكاملات المواجيب = تحرم علينا لا بسات الخزاري

بقي جعثين عند سلمان بذاك الغار أو الكهف الموجود حتى الآن والذي يسمى (زريبة الشمري) فإذا أصبح الصباح ذهب يتصيد من الطيور والأرانب وصيد البر ويأتي به ويشويه ويطعم به رفيقه المصاب بعد نفاد ما معهما من الزاد رغبة منه في إطعام المصاب من اللحم لسرعة شفائه ، ومع مرور الأيام صادف جعثين راعية إبل عنزية ترعى ذود أهلها ، من رؤوس قبيلة عنزة فسألته عن وجوده في هذا المكان وهو شمري عرفت ذلك من لهجته والمنطقة التي هو فيها من أرض عنزة ، فأخبرها بقصته وأنه عاكف على رفيق له بهذا الغار ينتظر شفاءه ، فثارت عندها شهامتها ونخوتها وإنسانيتها ، وقالت له : سآتيكما بكل ما تحتاجانه من الطعام والشراب كل يوم بيومه ، صارت الفتاة الشهمة تأتيهما بالطعام وما يلزمهما حتى أكمل المصاب نحو ثلاثة أشهر وشفي تماماً وعندما أخبراها أنهما سيغادرا المكان جهزت لهما مطية بكل ما يلزمها وحملتها بالطعام والشراب وأحضرتها لهما ، كل ذلك ولم يعلم بذلك أحد من أهلها وسواهم ، امتطيا كور المطية الذلول وشكراها على صنيعها واتجهاها إلى أهلهم ولما وصلا إليهم بجبل العصام إلى الجنوب الغربي عن حائل أعادا المطية إلى صاحبتها ولم يعلم أبوها بما جرى إلا بعد أن وصلته المطية ، وعند ذلك قال العنزي لابنته لو لم تفعلي ذلك لم تكوني ابنتي ، وقال جعيثن قصيدته الثانية :

221- نطيت غمرة حيث غمرة طويلة =  وطالعت يم ديار أهلنا نواشي
222- طالعت يم ديار أهلنا مخيلة =  عساه على الأثماد هو والمحاش
223- الله على اللي شاف عيني ذميله =  حمراهميم مشيها باهتماشي
224- جلست أنا وسلمان تسعين ليلة =  تحت ولي العرش منشي النواشي
225- جلست أنا وسلمان براس الطويلة =  تسعين ليلة به صفاة فراشي
226- جلست أنا وسلمان تسعين ليلة =  واقفوا بهجن مبعدات المقاشي
227- قفن بهم مثل الظبامع خميلة =  أقفن بهم يا طن سماح وعفاش
228- اللي أقفى يا سلمان بديله =  والعمر ما يسوى هكاليوم حاشي

وبعد عودتهما أعطى سلمان حقه في وادي الجيم بجبل الحضن وما به من نخل لجعثين الذي جلس معه وحتى الآن وادي الجيم وما فيه من نخل نصفه لمارثه جعيثن الخريصي ونصفه لابن قدور . والجدير بالذكر أن القصيدة الأولى مع قصتها وردت في كتاب شعراء من الرس ص 32-34 منسوبة لمحمد بن منصور بن ريس الملقب أبا الضلعان وهي عشرة أبيات نفس القصيدة مع تغييرات طفيفة وأن المصاب هو أحد الحجاج ولم يذكر اسمه وأن ابن رخيص الذي أسند عليه الشاعر من أهل المذنب ، وأن الجبل الذي أقام به ابن ريس مع المصاب بالجدري اسمه (بلغة) وهو قريب من جبل ماوان ، غير أن المريض لم يذكر اسمه . أما في الأبيات موضوع الفقرة هذه ، فإن عقيد القوم يقال له ابن رخيص واسم المصاب معروف والجبل معروف حتى الآن ومن جلس عنده معروف ، ومكافأته معروفة وموجودة حتى الآن فيحتمل أن تكون القصة والقصيدة لجعيثن بن عواد لا سيما وأن هناك قصيدة أخرى تسند كون قائلها شاعر وهو الأرجح عندي وقد يكون هناك قصتان متشابهتان بنفس المعنى وكل واحد قال القصيدة إما قولاً أو تمثيلاً والله أعلم .


211- عيال : شباب ورجال ، شيب : الركاب ينادي الشاعر الرجال والشباب المرتحلين على تلك الركاب التي شابت محاقبها من كثرة الشد عليها وهي جديدة الأثر .
212- الشيان جمع شاء وشياه الغنم ، غداري : ليلة مطر يقول إن هذه الركاب أقفت من عندي مثلما يقفي الذئب إذا رأى أثر الغنم في ليلة المطر وهو جائع ز
213- يقول إن تلك الركاب يومين بأذيالهت التي تشبه شعر فتاة ترقص وتماري بجمالها .
214- ابن رخيص : كنية رجل ، الزواريب : سيء الرأي والتصرف ينادي ابن رخيص ويقول دع عنك قول أصحاب الآراء الضعيفة فأعمارنا عارية مستردة .
215- المصاليب : عصى تعرض على المطية وكأنها نقالة يقول إن رفيقنا يصعب علينا أن نضعه على نقالة وهو في هذه الحالة السيئة من الإصابة .
216- تجيك : تأتيك ، القرم : الشهم الشجاع يقوم إن أمه سوف تأتيك تسأل عنه وفي قلبها مثل لهيب النار تسأل عن ابنها ودموعها على وجنتيها .
217- تسألك عن ابنها الذي معكم بالذي يعلم السرور الغيب .
218- المراقيب : المرتفعات . يقول أخبرها أن ابنها بقي بقرب عاليات الجبال بأرض قفر ليس حواليه إلا الحبارى .
219- لين : حتى ، يجيه : يأتيه ، خويه : رفيقه . يقول وعنده رفيقه حتى بدأ به الطيب ويشفى من مرضه .
220- المواجيب ما يجب علينا فعله ، لا بسات الخزاري النساء يقول وإن لم نقم بما هو واجب علينا إزاء رفيقنا فتحرم علينا النساء .
221- نطيت : ارتقيت ، غمرة : اسم جبل نواشي : سحاب طالعت : نظرت يم إلى يقول إنني ارتقيت جبل غمرة الطويل ووجهت نظري نحو ديار أهلنا وهي غير واضحة لنا .
222- مخيلة : سحابة ، الأثماد : جبال جهة جبل العصام ، المحاش : تلعة في جبل العصام جنوب غرب جبل أجأ يقول لعل تلك المخيلة يصيب مطرها الأثماد والمحاش من ديارنا .
223- ذميله : الذميل نوع من جري الإبل ، اهتماش تحفز . يتوجد الشاعر على ناقة حمراء أعجبه جريها تلك الناقة التي جريها بتحفز وحيوية .
224- سلمان : اسم رفيقه ، النواشي : السحاب . يقول إنه جالس عند رفيقه سلمان تسعين ليلة تحت الرجاء من الله أن يشفيه .
225- يقول إنني جلست مع رفيقي تسعين ليلة فوق صفاه من الصخر أنام عليها .
226- المقاش : المسافة والمشوار . يقول إنني جلست هذه المدة وأوقفوا من عندي على ركابهم مبعدات المشوار .
227- الخميلة : الشجر الملتف يذري ما وراءه ، عفاش : خشن يقول أقفن الركاب وكأنها فريق الظبا إذا انطلق من خميلة يطأن في طريقهن أرض سهلة وأرض وعرة وخشنة .
228- حاشي : ابن الناقة . يقول إن من انصرفوا عنك فأنا بديل لهم والعمر في ذلك اليوم لا يساوي ولد الناقة الصغيرة .

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.