1789


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


يحكم القدر في بعض الأحيان على الإنسان رغم إراداته ، فقد جرى حكم القدر على عقيل بن علي الجنفاوي الشمري أن يقتل ابن عمه إثر خلاف بينهما مما اضطره إلى التواري عن الأنظار حتى يتم تسوية القضية ، فلجأ إلى أخواله عشيرة من نفس القبيلة وحموه حماية محكمة غير أن ابن عمه فرحان بن خليف الجنفاوي الشمري أخ المقتول لم ترقأ له عين حتى أخذ ثأر أخيه من ابن عمه بعد أن رفض أبوه أن يقبل الدية وأصر على قتل عقيل ، وعلم فرحان الذي كان يطارد عقيلاً أنه لجأ عند أخواله وأنهم قد أحكموا حمياته ولا يستطيع الوصول إليه ، فتحين فرحان الفرصة علها أن تسنح ، وعندما اقترب موسم الحج أراد مجموعة من أخوال عقيل أن يحجوا فقال فرحان إنني سأحج معكم ، حاولوا ثنيه عن ذلك فأبى ، قالوا له : إذا سوف نناديك باسم غير اسمك حتى لا يعرف غريمك اسمك فيقتلك فيما لو علم بسفرك معنا وتابعك في طريق الحج أو عند العودة منه ، وافق عقيل على أن يسموه (راضي) تحركت قافلة الحجيج من أخواله وغيرهم وعلم فرحان بذلك فانطلق مع قافلة أخرى للحج على أمل أن تحصل له فرصة يتمكن فيها من غريمه مع انصرافه من الحج وعلم عقيل بذلك فأخذ حذره ، أدى الحجاج فريضة الحج وعادوا إلى أهلهم ، وأراد الله أن أصيب فرحان بالجدري الشديد ، والجدري ينفر منه الناس خشية العدوى ونقلها إلى الناس فما كان من رجال القافلة التي فيهم فرحان إلا بنوا عليه (عنة) من الشجر وتركوا عنده شيئاً من الماء والطعام ورحلوا عنه ، تاركين حياته وموته بيد الله ، عادت ذلول فرحان مع الركب الذين كان معهم فعرف وسمها عقيل ، وقال : لمن هذه المطية ؟ قالوا لفرحان الذي تركناه في المكان الفلاني من أرض (ركبة) وجاء رجل يبشر عقيلاً بأن خصمه الذي يطارده قد أصيب بالجدري وترك في عنة ليلاقي حتفه ، فقال أتبشروني بهذا عاد إلى رفاقه وأخبرهم أنه سيعود إلى ابن عمه المجدور فقالوا له : الآن سوف يخلصك الله منه وتريد إنقاذه وهو يريد قتلك عند ذلك قرن مطية فرحان ركب مطيته وعاد إلى فرحان لا ليقتله في حالة ضعفه بل لينقذ حياته إن كان الله قد كتب له الحياة وصل إليه بعد أن أظلم الليل ، وعندما أناخ عقيل مطيته عند فرحان كان في حالة سيئة جداً ، قال له : يا فرحان ، أنا عقيل ، فرد عليه : يا بُعد فرجك و يا طول غيبتك ، باشر عقيل العناية بفرحان المجدور ونحر مطيته وشرح لحمها ووشقه وبدأ يطعمه من لحمها وشيئاً فشيئاً حتى تماثل للشفاء وشفي بعد ذلك تماماً فعادا معاً إلى الأهل على مطية فرحان ، فلما قربا من أهلهما قال عقيل أستودعك الله ، وما بيننا لا يزال على ما هو عليه ، فأبى فرحان وحلف إلا أن يكونا ضيفين على والد فرحان تلك الليلة وهو الذي بيده الحل والعقد ، وبعد أن تناولا طعام العشاء عند والد فرحان قال فرحان لابن أخيه عقيل : مُدَّ يدك ، إن ما فعلته في ابني فرحان الذي كان يطاردك وأنقذته من موت محقق يوجب علي أن أعفو عنك ولكن لاتقاء كلام الناس الذي يبقى مع الأيام وربما قالوا : ترك دم ابنه يذهب هدراً مقابل خدمة قام بها من يقوم بها الكثير من الناس ، لقد رضيت بالدية ويعد ذلك فأنت طليق ليس عليك أي التزام .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.