1822


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


ثم اصبح خزيمة فصالح غرمائه واصلح من حاله , ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين فلما وقف ببابه , دخل الحاجب فاخبره بمكانه و وكان مشهوراً , وكان الخليفة به عارفاً , فأذن له , فلما دخل عليه سلم بالخلافة , قال : يا خزيمة ما أبطأك عنا ؟قال سوء الحال يا أمير المؤمنين , قال فما منعك من النهوض إلينا ؟ قال ضعفي , قال : فبما انهضك ؟ قال لم أشعر يا امير المؤمنين بعد هدأة الليل , إلا ورجل يطرق بابي , وكانه من كيت , وكيت وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها , فقال : هل عرفته ؟ قال : لا والله لأنه كان متنكراً وما سمعت منه إلا “جابر عثرات الكرام” قال فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال : لو عرفناه لأعناه على مروءته ثم قال : علي بفتاة , فأتي بها ، وعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة ، وعلى عمل عكرمة الفياض ، وأجزل عطاياه ، وأمره بالتوجه إلى الجزيرة ، فخرج خزيمة متوجهاً إليها ، فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه ، فسلم عليه ، ثم سارا جميعاً إلى أن دخل البلد ، فنزل خزيمة في دار الإمارة ، وأمر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسب ، ففضل عليه مال كثير، فطلبه خزيمة بالمال فقال : مالي إلى شيء منه سبيل فأمر بحبسه ، ثم بعث يطالبه فأرسل إليه ، إني لست ممن يصون ماله بعرضه فاصنع ما شئت ، فأمر به فكبل بالحديد وضيق عليه ، فأقام على ذلك شهراً فأضناه ثقل الحديد وضربه ، وبلغ ذلك ابنة عمه فجزعت فيه واغتمت ، ثم دعت مولاة لها ذات عقل ، وقالت : امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي له : عندي نصيحة ، فإذا طلب منك فقولي : لا أقولها إلا للأمير خزيمة ، فإذا دخلت عليه ، سليه الخلوة ، فإذا فعل قولي له : ما كان هذا جزاء (جابر عثرات الكرام) معك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد ! قال : ففعلت فلما سمع جزيمة قولها : قال : واسوءتاه ! جابر عثرات الكرام غريمي !! قالت : نعم فأمر من وقته بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس قد أضناه الضر ، فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس أحمشه (أخجله) ذلك فنكس رأسه ، فأقبل خزيمة حتى انكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال : ما أعقب هذا منك ؟ قال : كريم فعالك وسوء مكافأتي : فقال : يغفر الله لنا ولك ، وأمر بفك قيوده وأن توضع في رجليه فقال عكرمة : تريد ماذا ؟ قال خزيمة : أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال : أقسم عليك ألا تفعل .
فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يمكنه من ذلك ، وقال وما تريد  قال : أغير من حالك ما أراه ، وأما حيائي من ابنة عمك فأشد من حيائي منك ، ثم أمر بالحمام فأخلي ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى منزله واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له ، فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة (بفلسطين) فأنعم له بذلك فسارا جميعاً حتى قدما على سليمان بن عبد الملك ، فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر ، فراعه ذلك ، وقال : والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ! ما هذا إلا لحادث عظيم ! فلما دخلا عليه قال : قبل أن يسلم . ما وراءك يا خزيمة ؟ قال : خير يا أمير المؤمنين ، قال : فما أقدمك ؟ قال : ظفرت (بجابر عثرات الكرام) فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته ، قال : ومن هو ؟ قال : عكرمة الفياض فأذن له بالدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلسه وقال : يا عكرمة كان خيرك له وبالاً عليك ، ثم قال له : اكتب حوايجك وما تختار في رقعة فكتبها فقضيت على الفور ، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليه من التحق والطرف ثم دعا بقناة وعقد لع على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وقال له : أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بل أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.