1830


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


يتناقل الرواة الشعبيون قصة للشريف بركات بن مبارك بن مطلب ، وسبب هجرته من الحجاز إلى الأحواز على ساحل الخليج العربي الشرقي ، أن زوجة أبيه قد غارت منه ففعلت له دسيسة فرقت بينه وبين أبيه ، حيث أهانه أبوه أمام جمع من جلسائه ، فكبر الأمر عنده ، عندما ألصقت به تهمة هو بريء منها ، لكن أباه قد ألزمه إياها ، وقيل له أنها عملت له مقلب آخر ، يتعلق به شخصياً ، فقد كان طباخه يعدُّ له ضمن وجبة الغداء ترتيب معين حيث ينظف كرش الذبيحة تماماً ويقطع فيها قطعاً من أطايب اللحم والشحم والبهارات والأبازر التي تطيب طعمها وتزكي نكهتها ، وتربط فوهتها وتطبخ مع اللحم حتى إذا استوت وحان تقديم طعام الغداء وضعت هذه الكرش فوق الصن ، فإذا طابت نفسه من الطعام أخذ سكيناً وشق بها هذه الكرش حيث يجد قطع اللحم والشحم وقد نضجت وفاحت رائحة الأبازير ولذَّ طعم اللحم ونكهته فأكل منه ما يريد ثم دفعه إلى جلساته على الصينية ، فأتت المرأة إلى الطباخ وطلبت منه ألا يفعل ذلك ، وإنما يطبخ الكرش بفرثها في قدر مستقل ويضع بعض البهارات لتضيع رائحتها ثم يضعها كالعادة فوق الصينية ، فقال الطباخ : إنني أخشى أن يقتلني ؟ قالت له : سأحميك منه ، وإن لم تفعل ما قلته لك سأقتلك أنا بنفسي ، فإذا قدمتها على الصينية كالعادة تعال عندي وأنا أحميك منه ولن ينالك منه أي أذى وعندي لك هدية ثمينة ومبلغاً كبيراً من المال ، فأقدم الطباخ على الخطوة وطبخ الكرش بفرثها ، وعندما قدمها فوق الصينية لاذ بالفرار إلى المرأة ثم قام الشريف الشاب بركات يتناول الغداء كالعادة وأخذ السكين وشق الكرش فخرج عليه الفرث فكاد أن يصعق من هول المفاجأة وطلب الطباخ حالاً ولكنه لم يجده فقد أصبح في حرز مكين عند المرأة ، عند ذلك عرف أن هذا التصرف كان بتدبير المرأة ، وكانت هذه القشة التي قمصت ظهر البعير ، وأيقن أن أباه سيقف في صفها وخرج ومن معه من مكة متجهين إلى مكان بعيد في ذلك الوقت ، إلى الأحواز على الخليج العربي وكون له إمارة المشعشعين هناك وفور وصوله أرسل لوالده القصيدة التي مطلعها :

5- عفا الله عن عين للاغضا محاربه =  وجسم دنيف زايد الهم شاعبه
6- أسهر ليا نام المعافى ومدمعي =  إنهل ما بين النظيرين ساكبه
7- دع العذل عني يا نصيحي وخلني =  شرواك ما يرضى هو أن لصاحبه
8- شهرت عن الزهدا وهي لي فضية =  ولا يمنع المخلوق ما الله كاتبه
9- في كل دار للرجال معيشة =  والأرزاق كافلها جزال وهايبة

إلى أن قال :

10- اخترت بعد الدار عن نازح النيا =  ولا قولة بركات قد هان جانبه
11- فيا مبلغ مني ذوي الجود والثنا =  ومن شب شارات المعاني مكاسبه
12- مبارك زين الجانيات بن مطلب =  ذرا الجار والعانين من كل جانبه
13- يا كعبة الوفاد للضيف بالقسا =  إلى النذل ذل ولا ذو أغضى بحاجبه
14- إلى قل ماء المرزمات وأجدبت =  وقل الحيا وأوقات الإمحال كالبة
15- بنيت لنا بيت من العز شامخ =  سل الله إلا يهدم الضد جانبه
16- لا تحسب إني بعد حسناك والرضا =  أغضبك بالدنيا وما كنت غاضبه
17- لكن جانبي منك مضمون كلمة =  على حضرة الرماق والخلق قاطبة
18- بها تعاتبني ولا دست زلة =  وغيري ولو داس الردَّا ما تعاتبه
19- ما ريتني من غير ذنب جنيته =  عساه يحضى بالجنى من تعاتبه
20- عساك تذكرني ليا جتك ضيقة =  وجا المال يحدا جافل من معازيه
21- بيوم كداج الليل غاط قتامه =  فيه السبايا كالخوازيق لاعبه
22- بيوم من الجوز ايستا قدبه الحصا =  تلوذ بعضو ذ المطايا جخادبه
23- قلته على بيت قديم سمعته =  وهو مثل ما قال التميمي لصاحبه

إلى أن ختمها بقوله :

24- وتر ما تعيب الدوحة إلا من أصله =  ولا آفة الإنسان إلا قرابية

وكامل القصيدة في كتابنا درر الشعر الشعبي ج2 ص (501-504) .


5-    الأغصا : النوم ، دنيف : مرهق ، شاعبه : قد شعبه وشق عليه يقول : عفى الله عن عيني التي لم تذق طعم النوم وجسمي المرهق النحيل الدنف والهموم المتراكمة الزادئة من طاقته قد أحترقته .
6-   المعافي  : الذي لا هموم لديه ، شاكبة منهمرة ، يقول : إنني اسهر الليل إذا نام خلي المعافى من الهموم وينهمر دمعي منسكباً من عيني لشدة معاناتي بينما غيري يغط في نوم عميق .
7-   خلني : اتركني ، شرواك مثلك . يقول : دع العذل لا تعذلني فما في نفسي يكفي وعليك أن تتركني ومثلي لا يرضى بالهوان لصاحبه فلماذا تعذلني .
8-   شهرت  : نزعت وأبعدت الزهد ما يزهد فيه من الأمور هي : الدنيا يقول : إنني قد نزعت وأبعدت عن الأمور الزهيدة ورأيت الدنيا واسعة فسيحة ولا يستطيع الإنسان أن يمنع ما كتبه الله عليه في هذه الحياة.
9-   وهابيه : أعطياته ، يقول : إن الرجل له في كل أرض يحل بها ما يستطيع العيش منه والأرزاق بيد الله الذي تكفل عباده بأرزاقهم وهو عظيم وجزيل الأعطيات .
10-   نازح : بعيد النيا : المكان ، يقول : إنه قد اختار بعد الموطن عن قربه مع بعد المكان ، كل هذا خير من القول إن بركات قد أذعن لهذه السيسة ولأن جانبه وخضع لرأي زوجة أبيه .
11-   :   يقول الشاعر عن أولئك الرجال ذوي الجود الفياض والثناء العاطر ومن شب وعلامات المعالي مكاسبه ويعني والده .
12-   مبارك بن مطلب : يعني والده ، العانين جمع عاني وهو القاصر ، يمتدح الشاعر والده في هذا البيت قائلاً أنه رفيع المجني والمحتد وهو ذري للجار وملجأ العاني الذي قصده والتجأ إليه لحمايته أو لمساعدته على مصاعب الحياة .
13-   :   يواصل الشاعر مدح والده حيث شبهه بكعبة الوفاد الذين يفدون متجوهين إليه في أوقات الشدة والقسا إذا النذل من الرجال أغضى عن الضيوف وتخفى عنهم وتركهم دون أن يقوم بواجبهم .
14-   إلى : إذا المرزمات : السحاب ترزم بالرعد ، أجدبت : أمحلت ، قل الحيا ، يعني الغيث ، وإلا محال الجدب ، كالبة مشتدة .
15-   :   يسترسل الشاعر في مدح والده ويقول : لقد بنيت لنا بيتاً شامخاً من العز والرفعة وإني أسأل الله واسألوه معي ألا يتمكن الأعداء من هدم هذا البيت السامق العزيز .
16-   :   يبدأ الشاعر بالاعتذار لوالده بقوله : لا تحسبني بعد إحسانك إليَّ ورضاك عني سأغضبك وأجحد فضلك ومعروفك في هذه الحياة ما دمت على قيد الحياة وإن أغضبت أي إنسان غيرك .
17-   الرماق : الحُساد وأهل الشر ، يقول : لكن نزوحي عنك أنه قد جاءني منك كلمة جرحتني وهذه الكلمة يقال أنه قال له (يالثبر) على حضرة من الحساد وعامة الناس وهذه الكلمة هي التي أغضبتني وأجزعتني وجعلتني أنزح عنك .
18-   زلة : خطأ ، الردى : الأعمال الرديئة ن يقول : تعاتبني بهذه الكلمة ولم أرتكب خطأ ، بينما غيري لو ارتكب الخطأ لم تعاتبه أو تقول له شيئاً وربما يعني زوجته .
19-   ماريتني : اتهمتني يمضي : يقوم مقامي ، الجنى : الواجب ، يقول  : لقد اتهمتني والبستني ثوباً غير ثوبي واتهمتني بذنب لم أجنه وعسى من زين لك وخطط لهذه التهمة أن يقوم مقامي .
20-   المال  : المواشي من الإبل وغيرها ، يحدا : يحد جافل : مفزع ، معازبه : مراعية ، يقول معاتباً أباه : لعلك تذكرني إن ضاقت عليك الدنيا إذا اعتدى الأعداء على أموالك ونهبت أو جاءت يحدوها الأعداء من مراعيها وتريد من يدافع عنها ويصد الأعداء عنك لعلك تذكرني في تلك الساعة .
21-   داح الليل : شدة سواده قتامة : غبار المال والمعركة ، السبايا : مجموعات الخيل ، الخوازيق : المخاريق ويعني الرماح ، يتابع عتباه فيقول : لعلك تذكرني في ذلك اليوم الذي يكون كالليل الداجي يغطي غبار الشمس وتشتبك مجموعات الخيل وسربها وتتعاقب الرماح بالطعن بين الفرسان وكأنها المخاريق .
22-   يوم من الجوزاء : النجم المعروف ويعني شدة الحر ، يستاقد الحصى : يحتمي ، تلوذ : تتظلل ، المطايا : جمع مطية وهي الركاب ، جخادبه : الجنادب ، وهذا البيت مضرب المثل في وقت شدة الحر ، يذكر والده ويصور اشتداد الحر في وسط القيظ على طلوع نجم الجوزاء في ذلك اليوم ترى الجنادب تتململ فوق الرمضاء وتطير وتتظلل بظل المطية وهي سائرة لتنتهز فرصة ولو لحظة تتقي فيها شدة حرارة الشمس ، وقد شاهدتها بنفسي عدة مرات .
23-   التميمي  : يعني عبد الرحيم صاحب أشيقر وقصته كاملة في كتبانا وقع وصدى وبيته يقول : (من باعنا بالهجر بعناه بالنيا..ومن جذحبلي ما وصلت رشاه) يقول إنه تمثل بهذا البيت عندما ابتعد عن أبيه .
24-   تر : اعلم , الدوحة : الشجرة الكبيرة هذا البيت ملئ بالحكمة وبتردد على افواه الناس , يقول إعلم ان الدوحة لا تعيب إلا من اصلها وآفة الإنسان قد تأتيه من أقاربه فهي اكثر ألماً واشد نكأ كما قال طرفة بن العبد :

وظلم ذوي القربى أشد مضامضة = على المرء من وقع الحسام المهند

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.