1839


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان قيل (ملك) من أقيال حمير منع الولد دهراً ، ثم ولدت له بنت فبنى لها قصراً منيفاً بعيداً عن الناس ، ووكل بها نساء من بنات الأقيال يخدمنها ويؤدبنها حتى بلغت مبلغ النساء فنشأت أحسن منشأ وأتمه في عقلها وكمالها ، فلما مات أبوها ملَّكها أهل مخلافها (مقاطعتها) فاصطنعت النسوة اللواتي ربينها وأحسنت إليهن ، وكانت تشاورهن ، ولا تقطع أمراً دونهن فقلن لها يوماً : يا بنت الكرام لو تزوجت لتم لك الملك ، فقالت : وما الزوج ؟ فقالت احداهن : الزوج عز في الشدائد ، وفي الخطوب مساعد ، إن غضبت عطف ، وإن مرضت لطف ، قالت : نعم الشيء هذا ، فقالت الثانية : الزوج شعاري وتدفئتي حين أصرد ، ومتكئي حين أرقد ، وأنسي حين أفرد ، فقالت : إن هذا لمن طيب العيش ، فقالت الثالثة : الزوج لما عناني كاف ، ولما شفني شاف ، يكفيني فقد الألاف ، ريقه كالشهد ، وعناقه كالخلد لا يمل قرانه ولا يخاف حرانه ، فقالت : أمهلنني أنظر فيما قلتن ، فاحتجبت عنهن سبعاً ثم دعتهن فقالت : قد نظرت فيما قلتن ، فوجدتني أملكه رقي ، وأبثه باطلي وحقي ، فإن كان محمود الخلائق ، مأمون البوائق ، فقد أدركت بغيتي ، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتي ، على أنه لا ينبغي إلا أن أكون كفئاً كريماً يسود عشيرته ، ويرب فصيلته ، لا أتقمع به عاراً في حياتي ، ولا أرفع به شناراً لقومي بعد وفاتي ، فعليكنه فابغينه (أي ابحثن عنه) وتفرقن في الأحياء فأيتكن أتتني بما أحب فلها أجزل الحباء (العطية والجائزة) وعلي لها الوفاء ، فخرجن فيما وجهتهن له ، وكنا بنات مقاول (ملوك) ذوات عقل ورأي فجاءتها احداهن . وهي عمرة بنت زرعة بن ذي خنفر فقالت : قد أصبت البغية ، فقالت : صفية ولا تسمية ، فقالت : غيث في المحل وثمال الأزل ، مفيد مبيد ، يصلح النائر ، وينعش العاثر ، ويغمر الندي ، ويقتاد الأبي ، عرضه وافر وحسبه باهر ، غض الشباب طاهر الأثواب ، قالت : من هو ؟ قالت : سبرة بن عوال بن شداد بن الهمال ، ثم دخلت الثانية فقالت : أصبت بغيتك قالت : صفيه ولا تسمية قالت : مصامص النسب ، كريم الحسب ، كامل الأدب ، عزيز العطايا ، مألوف السجايا ، مقتبل الشباب خصيب الجناب ، أمره ماض ، وعشيره راض ، قالت : من هو ؟ قالت : يعلي بن هزال بن ذي جدن ، ثم دخلت الثالثة ، فقالت : ما عندك ؟ قالت : وجدته كثير الفوائد ، عظيم المرافد ، يعطي قبل السؤال وينيل قبل أن يستنال ، في العشيرة معظم ، وفي الندى مكرم ، جم الفواضل كثير النوافل ، بذال أموال ، محقق آمال ، كريم أعمام وأخوال قالت : من هو ؟ قالت : رواحلة بن خمير بن مضحي بن ذي هلاهلة . فاختارت يعلي بن هزال فتزوجته فاحتجبت عن نسائها شهراً ثم برزت لهن فأجزلت لهن الحباء (الهبات) وأعظمت لهن العطاء .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.