1843


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


جاور رجلان من هوزان يقال لهما : عمرو وعامر في بني مرة بن عرف بن ذبيان وكانا قد أصابا دماً في قومهما ، ثم إن قيس بن عاصم المنقري أغار على بني مرة ، فأصاب عامراً أسيراً في عدة أسارى كانوا عند بني مرة ، ففدى كل قوم أسيرهم من قيس بن عاصم ، وتركوا الهوزاني  ، فاستغاث أخوه بوجوه بني مرة سنان بن أبي حارثة ، والحارث بن عوف ، والحارث بن ظالم ، وهاشم بن حرملة والحصين بن الحمام فلم يغيثوه ، فركب إلى موسم عكاظ ، فأتي منازل مذحج ليلاً فنادى :

دعوت سنانا وابن عوف وحارثاً =  وعاليت دعوى بالحصين وهاشم
أعيرهم في ك يوم وليلة =  بترك أسير عند قيس بن عاصم
حليفهم الأدنى وجار بيوتهم =  ومن كان عما سرهم غير نائم
فصموا وأحداث الزمان كثيرة =  وكم في بني العلات من متصامم
فياليت شعري من لا طلاق غلة =  ومن ذا الذي يحظى به في المواسم

فسمع صوتاً من الوادي ينادي بهذه الأبيات :

ألا أيهذا الذي لم يجب = عليك بحي يجلي الكرب
عليك بذي الحي من مذحج =  فإنهم للرضى والغضب
فناد يزيد بن عبد المدان =  وقيسا وعمرو بن معد يكرب
يفكو أخاك بأموالهم =  وأقلل بمثلهم في العرب
أولاء الرؤوس فلا تعدهم =  ومن يجعل الرأس مثل الذنب

فابتع الصوت فلم ير أحداً ، فغدا على المكشوح واسمه قيس بن عبد يغوث المرادي فقال له : إني وأخي رجلان من جسم بن معاوية أصبنا دماً في قومنا وإن قيس بن عاصم أغار على بني مرة وأخي فيهم مجاور فأخذه أسيراً فاستغثت بسنان بن أبي حارثة ، والحارث بن عوف ، والحارث بن ظالم ، وهاشم بن حرملة ، فلم يغيثوني ، فأتيت الموسم لأصيب من يفك أخي ، فانتهيت إلى منازل مذحج فناديت بكذا وكذا ، فسمعت من الوادي صوتاً أجابني بكذا وكذا ، وقد بدأت بك لتفك أخي فقال المكشوح : والله إن قيس بن عاصم لرجل ما قارظته معروفاً قط ولا هو لي بجار ، ولكن اشتر أخاك منه وعلي الثمن ولا يمنعك غلاءه ، ثم أتى عمرو بن معد بكرب فقال له مثل ذلك فقال : هل بدأت بأحد قبلي ؟ فقال : نعم بقيس المكشوح ، فقال : عليك بمن بدت به فتركه ، وأتى يزيد بن عبد المدان فقال له : يا أيا النضر إن قصتي كذا وكذا فقال مرحباً بك وأهلاً ، ابعث إلى قيس بن عاصم ، فإن هو وهب لي أخاك شكرته ، وإلا أغرت عليه حتى يتقيني بأخيك ، فإن نلتها وإلا دفعت إليك كل أسير من بني تميم بنجران فاشتريت بهم أخاك ، قال : هذا الرضا ، فأرسل يزيد إلى قيس بن عاصم بهذه الأبيات :

يا قيس أرسل أسيراً من بني جشم =  إني بكل الذي تأتي به جازي
لا تأمن الدهر أن تشجى بغصته =  فاختر لنفسك احمادي واعزازي
فافكك أخا منقر عنه وقل حسناً =  فيما سئلت وعبقه بإيجاز

وبعث بالأبيات رسولاً إلى قيس بن عاصم فأنشده إياها ، ثم قال له : يا أبا علي ، إن يزيد بن عبد المدان يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن المعروف قروض ، ومع اليوم غد ، فأطلق لي هذا الجشمي ، فإن أخاه قد استغاث بأشراف بني مرة وبعمر وبن معد يكرب ، وبمكشوح مراد ، فلم يصب عندهم حاجته ـ فاستجار بي ، ولو أرسلت إليَّ في جميع أساري مضر بنجران لقضيت حاجتك ، فقال قيس بن عاصم لمن حضره من بني تميم : هذا رسول يزيد بن عبد المدان سيد مذحج وابن سيدها ومن لا يزال له فيكم يد ، وهذه فرصة لكم فماذا ترون ؟ قالوا : نرى أن نغليه ماله ، فقال قيس : بئس ما رأيتم أما تخافون سجال الحروب ، ودول الأيام ومجازاة القروض ! فلما أبوا عليه قال : بيعونيه ، فأعطوه عليه ، فتركه في أيديهم ، وكان أسيراً في يد رجل من بني سعد ، وبعث إلى يزيد فأعلمه بما جرى ، وأعلمه أن الأسير لو كان في يده أو في منقر (عشيرته) لأخذه وبعث به ولكنه في يد رجل من بني سعد ، فأرسل يزيد إلى السعدي أن أرسل إلي بأسيرك ولك فيه حكمك ، فأتى به السعدي إلى يزيد بن عبد المدان فقال له : احتكم ، فقال السعدي مئة ناقة ورعاءها ، فقال له يزيد : إنك لقصير الهمة قريب الغنى جاهل بأخطار بني الحارث ، أما والله لقد غبنتك يا أخي بني سعد ، ولقد كنت أخاف أن تأتي ثمنه على جلَّى أموالنا ، ولكنكم يا بني تميم قصار الهمم ، وأعطاه ما احتكم به ، فجاوره الأسير وأخوه حتى ماتا عنده بنجران .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.