1845


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


خرج معن بن أوس المزني إلى البصرة ليمتار منها ويبيع إبلاً له ، فلما قدمها نزل بقوم من عشيرته ، فتولت ضيافته امرأة منهم يقال لها ليلى ، وكانت ذات جمال ويسار ، فخطبها فأجابته فتزوجها ، وأقام عندها حولاً في أنعم عيش ، فقال لها بعد الحول : يا ابنة العم إني تركت ضيعة لي ضائعة ، فلو أذنت لي فاطلعت طلع أهلي ورممت مالي ! فقالت : كم تقيم ؟ قال : سنة ، فأذنت له ، فأتى أهله فأقام فيهم وأزمن (أي طال مقامه) فلما أبطأ عليها رحلت إلى المدينة فسألت عنه فقيل لها إنه بعمق (ماء لمزنية) فخرجت حتى إذا كانت قريبة من عمق نزلت منزلا كريماً ، وأقبل معن في طلب ذو دله قد اضلها وعليه مدرعة من صوف وبت من صوف أخضر ، (والبت الطيلسان) وعمامة غليظة فلما رفع (أبصر) له القوم مال إليهم ليستسقي ، ومع ليلى ابن أخ لها ومولى من مواليها جالس أمام خباء له فقال له معن :
هل من ماء ؟ قال : نعم , وإن شئت سويقا , وإن شئت لبنا , فأناخ , وصاح مولى ليلى , يا منهلة , وكانت منهلة الوصيفة التي تقوم على معن عندهم بالبصرة , فلما اتته بالقدح  وعرفها حسر عن وجهه ليشرب عرفته وأثبتته , فتركت القدح في يده وأقبلت مسرعة إلى مولاتها , فقالت : يا مولاتي و هذا والله معن إلا أنه في جبة صوف وبت صوف , فقالت : هو والله عيشهم , الحقي مولاي فقولي له : هذا معن فاحبسه فخرجت الوصيفة مسرعة , فأخبرت فوضع معن القدح وقال : دعني حتى القاها في غير هذا الزي , فقال : لست بارحاً  حتى تدخل عليها و فلما رأته ليلى قال : أهذا العيش الذي نزعت  إليه يا معن ؟!قال إي والله يا ابنة عم ! أما أنك لو أقمت إلى أيام الربيع حتى ينبت البلد الخزامي والرحامي  والسخبر والكمأة لأصبت عيشاً طيباً .. فغسلت رأسه وجسده وألبسته ثياباً لينة وطيبته وأقام معها ليلته أجمع يهرجها (يجامعها) حتى غدا , متقدماً إلى عمق , حتى أعد لها طعاماً ونحر ناقة وذبح غنماً وقدمت على الحي فلم تبق إمرأة إلا اتتها وسلمت عليها , فلم تدع منهن إمرأة حتى وصلتها بهدية , وكان لمعن إمرأة بعمق يقال لها أم حقة فقالت لمعن : هذه والله خير لك مني فطلقني وكانت قد حملت فدخله من ذلك وقام , ثم إن ليلى رحلت إلى مكة حاجة ومعها معن , فلما فرغا من حجهما انصرف فلما حاذيا منعرج الطريق غلى عمق قال معن : يا ليلى كأن فؤادي ينعرج البصرة ! قالت : ما أنا ببارحة مكاني حتى ترحل معي غلى البصرة أو تطلقني , فقال : أما إذا ذكرت الطلاق , فأنت طالق , فمضت غلى البصرة ومضى إلى عمق , فلما فارقته ندم وتبعتها نفسه فقال في ذلك :

توهمت ربعاً بالمعبر واضحاً =  أبت قرتاه اليوم إلا تراوحا
أربت عليه دارة حضرمية =  ومرتجز كان فيه المصابحا
إذا هي حلت كربلاء ولعلعا =  فجوز العذيب دونها فالنوابحا
وباتت نواها من نواك وطاوعت =  مع الشانئين الشامتات الكواشحا
فقولا لليلى هل تعوض نادماً =  له رحبة قال الطلاق ممازجا
فإن هي قالت : لا فقولا لها بلى =  ألا تتقين الجاريات الدوابحا


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.