1849


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال الأصمعي : حجت أعرابية ومعها ابن لها ، فأصيبت به (أي توفي) فلما دفن قامت على قبره وهي موجعة فقالت : يا بني غذوتك رضيعاً ، وفقدتك سريعاً ، وكأنه لك يكن بين الحالين مدة ألتذُّ بعيشك فيها ، فأصبحت بعد النضارة والغضارة ، ورونق الحياة والتنسم في طيب روائحها ، تحت أطباق الثرى جسداً هامداً ، ورفاتاً سحيقاً ، وصعيداً جزراً ؟ أي بني ! لقد سحبت عليك الدنيا أذيال الفناء ، وأسكنتك دار البلى ، ورمتني بعدك بكبة الردى ، أي بني ! لقد أسفر لي وجه الدنيا عن صباح داج ظلامه ثم قالت : أي ربي ومنك العدل ، ومن خلقك الجور ، وهبته لي قرة عين ، فلم تمتعني به كثيراً ، بل سلبته وشيكاً ، ثم أمرتني بالصبر ، ووعدتني عليه الأجر ، فصدقت وعدك ، ورضيت قضاءك ، فرحم الله من ترحم على من استودعته الردم ، ووسدته الثرى ، اللهم ارحم غربته وآنس وحشته ، واستر عورته ، يوم تكشف الهنات والسوءات فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره فقالت : أي بني ! إني قد تزودت لسفري ، فليت شعري ما زادك لبعد طريقك ، ويوم معادك ؟ اللهم إني أسألك له الرضى برضائي منه ، ثم قالت : استودعك من استودعنيك في أحشائي جنيناً ، واشكل الوالدات ! ما أمَعَّن حرارة قلوبهن ، وأقلق مضاجعهن ، وأطول ليلهن ، وأقصر نهارهن ، وأقل إنسهن ، وأشد وحشتهن ، وأبعدهن عن السرور ، وأقربهن إلى الأحزان ، لم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كل من سمعها ، وحمدت الله عز وجل واسترجعت وصلت ركعات عند قبره وانطلقت .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.