1853


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال اسحاق بن ابراهيم الموصلي عملت في أيام الرشيد لحنا بشعر اسماعيل بن يسار النسائي :

سقيا لأرض إذا ما نمت نبهني =  بعد الهدرِّ لها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كل شارقة =  على الميادين أذناب الطواويس

فأعجبني وعملت على أن أبا كربه الرشيد ، فلقيني في الطريق خادم لعلية بنت المهدي أخت هارون الرشيد وأمها جارية ، فقال : مولاتي تأمرك بدخول الدهليز لتسمع بعض جواريها غناء أخذته عن أبيك وشكت فيه الآن ، فدخلت معه إلى حجرة قد أفردت كأنها كانت معدة ، فجلست وقدم لي طعام وشراب فنلت حاجتي منهما ، ثم خرج إلي الخادم فقال : تقول لك مولاتي : أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت أعددته له محدث ، فأسمعنيه ولك جائزة سنية تتعجلها ، ثم ما يأمر به لك بين يديك ، ولعله لا يأمر لك بشيء أولا يقع الصوت منه بحيث توخيت فيذهب سعيك باطلاً . فاندفعت فغنيتها إياه ، ولم تزل تستعيده مراراً ثم أخرجت إلى عشرين ألف درهم وعشرين ثوباً ، وقالت : هذه جائزتك ولم تزل تستعيده مراراً ، ثم قالت : اسمعه مني الآن ، فغنته غناء ما خرق سمعي مثله ، ثم قالت كيف تراه ؟ قلت : أرى والله ما لم أر مثله ؟ قالت : يا فلانة : أعيدي له مثل ما أخذ ، فأحضرت لي عشرين ألفاً أخرى ، وعشرين ثوباً ، فقالت : هذا ثمنه ، وأنا الآن داخلة إلى أمير المؤمنين أبدأ أتغنى به ، وأخبره أنه من صنعتي ، وأعطي الله عهداً لأن نطقت أن لك فيه صنعة لأقتلنك ! هذا إن نجوت منه ، وإن علم بمصيرك إلي ، فخرجت من عندها والله إني لموقن بما أكره من جائزتها أسفاً على الصوت ، فما جسرت والله بعد ذلك أن أتنغم به في نفسي فضلاً أن أظهره حتى ماتت ، فدخلت على المأمون في أول مجلس له للهو بعدها ، فبدأت به أول ما غنيت ، فتغير لون المأمون وقال : من أين لك ويلك هذا ؟! قلت : ولي الأمان على الصدق ؟ قال : ذلك لك فحدثته الحديث . قال : يا بغيض ! فما كان هذا من النفاسة حتى شهرته . وذكرت هذا منه مع ما قد أخذته من العوض ! وهجنني فيه هجنة وددت معها أني لم أذكره ، فآليت أغنية بعدها أبداً .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.