1855


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


انفتاح قريش تجارياً على العالم القديم يومذاك ، فقد كانت قريش متقوقعة تجارياً في مكة وما حولها ، مكتفية بما يصل إليها من الجزيرة العربية ومن الحجاج الذين يفدون إليها لغرض الحج ويجلبون معهم منتجاتهم الحيوانية كالألبان ومشتقاتها والأصواف والأوبار والأشعار والجلود والمنسوجات الصوفية وغيرها ، حتى إذا جاء عهد عبد مناف بن قصي بدا الانطلاقة إلى الأقطار الخارجية والممالك والأمبراطوريات المحيطة به ، وذلك بإرسال أبنائه الأربعة الملقبين بالمجبِّرين إلى كل من الشام والحبشة واليمن وفارس ، فأرسل ابنه هاشم بن عبد مناف إلى الشام وقيصر الروم ، وابنه عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة مملكة النجاشي ، وابنه عبد المطلب بن عبد مناف إلى اليمن ملوك حمير ، وابنه نوفل بن عبد مناف إلى الفرس ، وذلك لمد حبل مع كل منهم ، والحبل يعني العصمة والعهد والذمة وذلك للتبادل التجاري بين قريش وهذه الممالك بما يسمى الإيلاف ، فانطلق كل واحد من هؤلاء الأبناء إلى القطر الذي وجه إليه هذا الغرض وقيل إن هاشماً عندما وصل إلى الشام وإلى قيصر الروم لم يقدم عليه مباشرة وإنما أقام بالمدينة بمكان تجمع الناس ، وصار كل ليلة يو لم بشاة يطعم منها من معه ومن حوله وذلك ليلفت الأنظار إلى نفسه واستمر على ذلك بضعة أيام وذلك حتى يعلم به القيصر ويستدعيه ليسأله عن صنيعه هذا لأن مثل هذا العمل غريب في تلك البلاد ، فلما وصل خبره إلى القيصر أرسل إليه واستدعاه ليعلم كنه أمره ، فعرض هاشم عليه الأمر مفصلاً فقال القيصر : وما قدر الحاجة إليكم حتى نتكلف هذه الذمة ؟ فقال هاشم : ليس كل من يحسن إليه الملك محتاجاً لما عنده ، ولو كان ذلك لقل إحسان الملوك ، ولأن نأتيك بوجه الضراعة والحاجة إليك خير من أن نأتيك بوجه الاستغناء عنك ، والدالة عليك . فأعجب القيصر بكلامه وأمضى له على ما أحب وأخذ منه الميثاق أو الإيلاف ، وكذلك أخذ الإيلاف عبد شمس من النجاشي ملك الحبشة ومثله نوفل من ملك الفرس وكذلك عبد المطلب من ملوك حمير باليمن فانطلقت قوافل قريش بموجب هذه الإيلافات شمالاً وجنوباً وغرباً وشرقاً تنقل البضائع والسلع القرشية إلى تلك الأقطار وتأتي من بضائع وسلع تلك الأقطار إلى مكة ، وما هي إلا سنوات حتى أصبح المكيون من قريش وغيرها من القبائل من أثرى الناس ، فصاروا ينقلون بضائع إلى مكة والشام ومختلف الأقطار الأخرى وينقلون بضائع الشام إلى مكة واليمن والأقطار الأخرى وكذلك بضائع الحبشة إلى مكة والشام واليمن وفارس ، وبضائع فارس إلى مكة والحبشة واليمن والشام وتنظم بناء على ذلك رحلتي الشتاء والصيف بسبب هذا الإيلاف الذي ذكره الله في كتابه الكريم حين قال تعالى : (لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.