1857


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال الزبيري : حدثني أبي : خرجت إلى ناحية فيد متترهاً ، فرأيت ابن عائشة يمشي بين رجلين من آل الزبير ، وإحدى يديه على يد هذا ، والأخرى على يد هذا ، وهو يمشي كأنه امرأة تجلى على زوجها ، فلما رأيتهم دنوت فسلمت وكنت أحدث القوم سناً ، فاشتهيت غناء ابن عائشة فلم أدر كيف أصنع ، فكان ابن عائشة إذا هيجته تحرك ، فقلت : (رحم الله كثيراً وعزة! ) ما كان أوفاهما وأكرمهما وأصونهما لأنفسهما ! لقد ذكرت بهذه الأودية التي نحن فيها خبر عزة حين خضبت كثيراً . فقال ابن عائشة : كيف كان حديث ذلك ؟ قلت : حدثني من حضر بذلك ، ومن هاهنا تتفق رواية بن شبة والزبيري قال : خرج كثير يريد منها قريباً ، وعلم أن القوم جلسوا في أنديتهم للحديث بعث أعرابياً فقال له : اذهب إلى ذلك الماء فإنك ترى امرأة جسيمة لحيمة تبالط الرجال الشعر ، قال ابن اسحاق المبالطة ، أن تنشد أول الشعر و آخره ، فإذا رايتها فناد : من رأى الجمل الأحمر ؟ مراراً ، ففعل ، قالت : ويحك ! قد أسمعت فانصرف ، فانصرف إليه فأخبره ، فلم يلبث أن أقبلت جارية معها طست وتور (إناء صغير) وقربة ماء حتى انتهت إليه ، ثم جاءت بعد ذلك عزة فرأته جالساً محتبياً قريباً من ذراع راحلته ، فقالت له : ما على هذا فارقتك ! فركب راحلته وهي باركة ، وقامت إلى لحيته فأخذت التور فخضبته وهو على ظهر جمله حتى فرغت من خضابه ، ثم نزل فجعلا يتحدثان حتى علق الخضاب ثم قامت إليه فغسلت لحيته ودهنته ثم قام فركب وقال :

إن أهل الخضاب قد تركوني =  موزعاً مولعاً بأهل الخضاب

وذكر بقية الأبيات قال ابن عائشة : أنا والله أغنيه وأجيده فهل لكم في ذلك ؟ فقلنا وهل لنا عنه مدفع ! فاندفع يغني بالأبيات فخيل إليَّ أن الأودية تنطق معه حسناً .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.