1859


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


عندما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفى رجال بني أمية ومنهم ابراهيم بن سليمان بن عبد الملك بن مروان ، وكان ابراهيم رجلاً عالماً وهو في سن الشبيبة ، فأخذوا له أماناً من السفاح فقال له يوماً : حدثني عما مر بك في اختفائك ، فقال : كنت يا أمير المؤمنين مختفياً بالحيرة في منزل شارع على الصحراء (مفضى على الصحراء) فبينما أنا على ظهر البيت إذ أنظر إلى أعلام سود قد خرجت من الدار متنكراً حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحداً أختفي عنده ، فبقيت في حيرة ، فإذا أنا بباب كبر ورحبة واسعة ، فدخلت فيها ، فإذا رجل وسيم حين الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه فقال : من أنت ؟ وما حاجتك ؟ فقلت رجل خائف على دمه ، وقد استجار بمنزلك ، فأدخلني منزله ، ثم صيرني في حجرة تلى حرمه ، وكنت عنده في كل يوم ما أحبه من مطعم ومشرب وملبس ، ولا يسالني عن شيء من حالي ، إلا أنه يركب كل يوم مركبه ، فقلت له يوماً : أراك تدمن الركوب ، ففيم ذلك ؟ قال : ابراهيم بن سليما قتل أبي صبراً (أي حبس حتى مات) وقد بلغني أنه مختفِ في الحيرة ، فأنا أطلبه لأدرك منه ثأري ، فكثروا لله تعجبي ، وقلت : القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي ، وكرهت الحياة ، فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه ، فأخبرني ، فعلمت أن الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه ، فقلت له : يا هذا قد وجب علي حقك ومن حقك أن أدلك على خصمك ، وأقرب لك الخطوة ، قال : وماذاك ؟ قلت أنا ابراهيم بن سليمان قاتل أبيك ، فخذ بثأرك ، فقال إني أحسبك رجلاً أمعَّته الاختفاء فأحببت الموت ، فقلت لا والله ، ولكن أقول لك الحق ، لقد قتلته يوم كذا بسبب كذا فلما علم صدقي تغير لونه ، واحمرت عيناه ، وأطرق ملياً ثم قال : أما أنت فستلقى أبي عند حكم عدل ، فيأخذ بثأره ، وأما أنا فغير مخفر ذمتي ، فاخرج عني فلست آمن عليك من نفسي ، وأعطاني ألف دينار فلم أخذها منه فانصرفت عنه فهذا أكرم رجل رأيته بعد يا أمير المؤمنين.


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.