1860


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حكى الحسن بن سهل قال : كنت يوماً عند يحيى بن خالد البرمكي وقد خلا في مجلس لأحكام أمر من أمور الرشيد ، فبينما نحن جلوس إذ دخلوا عليه جماعة من أصحاب الحوائج ، فقضاها لهم ، ثم توجهوا لشأنهم فكان آخرهم قياماً أحمد بن أبي خالد ، فنظر يحيى إليه ، والتفت إلى الفضل ابنه ، وقال : يا بني ، إن لأبيك مع أبي هذا الفتى حديثاً ، فإذا فرغت من شغلي هذا فذكرني أحدثك به ، فلما فرغ من شغله وطعم قال له ابنه الفضل : أعزك الله يا أبي أمرتني أن أذكرك حديث أبي خالد ، قال : نعم يا بني ، لما قدم أبوك من العراق (يعني نفسه) أيام المهدي كان فقيراً لا يملك شيئاً فاشتد بي الأمر ، إلى أن قال لي من في منزلي : إنا كتمنا حالنا ، وزاد ضررنا ولنا اليوم ثلاثة أيام ما عندنا شيئاً نقتات به ! فبكيت يا بني بكاءً شديداً ، وبقيت ولهان حيران مطرق مفكراً ، ثم تذكرت منديلاً كان عندي فقلت لهم : ما حال المنديل ! فقالوا : هو باق عندنا ، فقلت أدفعوه إلي ، فأخذته ودفعته إلى بعض أصحابي وقلت له : بعه ما تيسر فباعه بسبعة عشر درهماً ، فدفعتها إلى أهلي وقلت : أنفقوها إلى أن يرزق الله غيرها . ثم بكرت من الغد إلى باب أبي خالد ، وهو يومئذ وزير المهدي فإذا الناس وقوف على داره ينتظرون خروجه ، فخرج عليهم راكباً ، فلما رآني سلم علي وقال : كيف حالك ؟  فقلت : يا أبا خالد حال رجل يبيع من منزله بالأمس منديلاً بسبعة عشر درهماً ! فنظر إلي نظراً شديداً وما أجابني فرجعت إلى أهلي كسير القلب ، وأخبرتهم بما اتفق لي مع أبي خالد ، فقالوا : بئس والله ما فعلت ! توجهت إلى رجل كان يرتجيك لأمر جليل ، فكشفت له سرك ، وأطلعته على مكنون أمرك فازدريت عنده بنفسك ، وصغرت عنده منزلتك ، بعد أن كنت عنده جليلاً فما يراك بعد اليوم إلا بهذه العين ! فقلت : قد قضي الأمر بما لا يمكن استدراكه ، فلما كان من الغد بكرت إلى باب الخليفة ، فلما بلغت الباب استقبلني رجل فقال لي : قد ذكرت الساعة بباب أمير المؤمنين فلم ألتفت لقوله ، فاستقبلني آخر فقال لي كمقالة الأولى ثم استقبلني حاجب ابي خالد ، فقال أين تكون ؟ قد أمرني أبو خالد بإجلاسك إلى  أن يخرج من عند أمير المؤمنين ، فجلست حتى خرج ، فلما رآني دعاني وأمر لي بدابة فركبت وسرت معه إلى منزله ، فلما نزل قال : علي بفلان وفلان الحناطين (الذين يبيعون الحنطة أو القمح) فأحضرا فقال لهما : ألم تشتريا مني غلات السواد بثمانية عشر ألف ألف درهم (ثمانية عشر مليون درهم) قالا : بلى ، قال : ألم أشترط عليكما شراكة رجل معكما ؟ قالا : بلى ، هذا هو الرجل الذي اشترطت شراكته لكما . ثم قال لي : قم معهما ، فلما خرجنا قالا لي : ادخل معنا بعض المساجد حتى نكلمك في أمر يكون لك فيه الربح الهني ، فدخلنا مسجداً فقالا لي : إنك تحتاج في هذا الأمر إلى وكلاء وأمناء وأعوان ومؤن لا تقدر منها على شيء فهل لك أن تبيعنا شركتك بمال نعجله لك فتنتفع به ، ويسقط عنك التعب والنصب ؟ فقلت لهما : وكم تبذلان ؟ فقالا مئة ألف درهم ولا زيادة عندنا على هذا فقلت حتى أشاور أبا خالد ، قالا : ذلك لك فرجعت إليه وأخبرته فدعا بهما ، وقال لهما : هل وافقتما على ما ذكر ؟ قالا : نعم ، قال : اذهبا فانفذاه المال الساعة ، ثم قال لي أصلح أمرك وتهيأ فقد قلدتك العمل ، فأصلحت شأني وقلدني ما وعدني به . فما زلت فيزيادة حتى صار أمري إلى ما صار ، ثم قال لولده الفضل يا بني ، ما تقول في ابن من فعل بأبيك هذا الفعل ؟ وما جزاؤه ؟ قال : حق لعمري وجب عليك له فقال : والله يا ولدي ما أجد له مكافأة غير أن أعزل نفسي وأوليه .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.