1863


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال أحد التجار : قصدت الحج في بعض الأعوام ، وكانت تجارتي عظيمة ، وأموالي كثيرة ، وكان في وسطي هميان (حزام يوضع فيه النقود) فيه دنانير وجواهر قيمة ، وكان الهيمان من الديباج الأسود ، فلما كنت ببعض الطريق نزلت لأقضي بعض شأني فانحل الهيمان من وسطي ، وسقط ولم أعلم بذلك إلا بعد أن سرت عن المواضع فراسخ ، ولكن ذلك لم يؤثر في قلبي لما كنت أحتويه من غنى ، واستخلفت ذلك المال عند الله إذ كنت في طريق إليه تعالى ، ولما قضيت حجتي ، تتابعت علي المجن ، حتى لم أعد أملك شيئاً ! فهربت على وجهي من بلدي ولما كان بعد سنين من فقري أفضيت إلى مكان وزوجي معي ، وما أملك في تلك الليلة إلا دانقاً ونصف (الدانق سدس الدرهم) وكانت الليلة مطيرة فأويت في بعض القرى إلى خان خراب (الخان بمنزلة الفندق) فجاء زوجي المخاض فتحيرت ، ثم ولدت فقالت : يا هذا الساعة تخرج روحي فاتخذ لي شيئاً أتقوى به (أي طعام) فخرجت أخبط في الظلمة والمطر حتى جئت إلى بدَال (بياع الأطعمة) فوقعت عليه ، فكلمني بعد جهد فشرحت له حالي ، فرحمني وأعطاني بتلك القطع حلبة وزيتاً وأغلاهما ، وأعارني إناء جعلت ذلك فيه وجئت أريد الموضع فلما مشيت بعيداً وقربت من الخان زلقت رجلي وانكسر الإناء وذهب جميع ما فيه ، فورد على قلبي أمر عظيم ما ورد علي مثله قط ! فأقبلت أبكي وأصيح وإذا برجل قد أخرج رأسه من شباك في داره ، وقال : ويلك مالك تبكي ! ما تدعنا أن ننام ! فشرحت له القصة ، فقال : يا هذا البكاء كله لسبب دانق ونصف ! قال : فداخلني من الغم أعظم من الغم الأول ، فقلت يا هذا والله ما عندي شيء لما ذهبت مني ، ولكن بكائي رحمة لزوجي ولنفسي ، فإن امرأتي الآن تموت جوعاً وواله لقد حججت في سنة كذا وكذا وأنا أملك من المال شيئاً كثيراً ، فذهب مني هميان فيه دنانير وجواهر تساوي ثلاثة آلاف دينار ، فما فكرت فيه ، وأنت تراني الساعة أبكي بسبب دانق ونصف ، فاسأل الله السلامة ولا تعايرني فتبلى مثل بلواي . فقال لي : يا رجل ماكان صفة هميانك ، فأقبلت أبكي ، وقلت : ما ينفعني ما طالبتني به أو ما تراه من جهدي وقيامي في المطر حتى تستهزئ أيضاً ! وما ينفعني وينفعك من صفة همياني الذي ضاع منذ كذا وكذا ! ومشيت فإذا الرجل قد خرج وهو يصيح بي ، خذ يا هذا ، فظننته يتصدق علي فجئته وقلت له : أي شيء تريد ؟ فقال لي : صف لي هميانك ، وقبض عليَّ فلم أجد للخلاص سبيلاً غير وصفه فوصفته له ، فقال لي : أدخل فدخلت فقال : أين امرأتك ؟ قلت في الخان ، فأنفذ غلمانه فجاءوا بها وأدخلت إلى حُرمه فأصلحوا شأنها ، وأطعموها كل ما تحتاج إليه . وجاءني بجبة وقميص وعمامة وسراويل ، وأدخلت الحمام سحراً ، وطرح ذلك علي ، وأصبحت في عيشة راضية ، وقال لي : أقم عندي أياماً فأقمت عشرة أيام كان يعطيني في كل يوم عشرة دنانير ، وأنا متحير في عظم بره ، بعد شدة جفائه ! فلما كان يعطيني في كل يوم عشرة دنانير ، وأنا متحير في عظم بره ، بعد شدة جفائه ! فلما كان بعد ذلك قال لي : في أي تتصرف ؟ قلت : كنت تاجراً ، قال : فلي غلات وأنا أعطيك رأس مال تتجر فيه وتشركني فقلت أفعل ، فأخرج لي مئتي دينار فقال : خذها واتجر فيها ها هنا فقلت هذا معاش قد أغناني به الله يجب أن ألزمه ، فلزمته فلما كان بعد شهور ربحت فجئته فأخذت حقي وأعطيته حقه ، فقال : اجلس فجلست فأخرج لي هيماني بعينه وقال : أتعرف هذا ؟ فحين رأيته شهقت وأغمي علي فلما أفقت ألا بعد ساعة ! ثم قلت : يا هذا أملك أم نبي ! فقال : أنا أحفظه منذ كذا وكذا سنة ، فلما سمعتك تلك الليلة تقول ما قلته وطالبتك بالعلامة فأعطيتها أردت أن أعطيك للوقت هيمانك ، فخفت أن يغشى عليك فأعطيتك تلك الدنانير التي وهمتك أنها هبة ، وإنما أعطيتكها من هيمانك ، فخذ هميانك واجعلني في حل ! فشكرته ودعوت له وأخذت الهميان ورجعت إلى بلدي فبعت الجواهر وضممت ثمنها إلى ما معي واتجرت فما مضت إلا سنيات حتى صرت صاحب عشرة آلاف دينار وصلحت أحوالي .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.