1867


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان زرارة بن عدس (التميمي) رجلاً شريفاً فنظر ذات يوم إلى ابنه لقيط فرأى منه خيلاء ونشاطاً  ، وقد جعل يضرب غلمانه وهو يومئذ شاب ، فقال له : أصبحت تصنع صنعاً كأنما جئتني بمائة من هجان ابن المنذر أو تزوجت بنت قيس بن خالد (الشبياني) ! قال لقيط : لله على ألا يمسَّ رأسي غسل ، ولا آكل لحماً ولا أشرب خمراً حتى أجمعها جميعاً أو أموت . فخرج لقيط ومعه ابن خال له يقال له القراد بن إهاب ، وكلاهما كان شاعراً شريفاً فسارا حتى أتيا بني شيبان ، فسلما على ناديهم وقال لقيط : أفيكم قيس بن خالد ؟ وكان سيد ربيعة يومئذ ، قالوا : نعم ، قال : أوأيكم هو ؟ قال قيس : أنا ، فما حاجتك ؟ قال : جئتك خاطباً ابنتك ، وكانت على قيس يمين ألا يخطب إليه أحد بنته علانية إلا اصابه بشر وسمَّع به (فضحه) فقال له قيس : ومن أنت ؟ قال : لقيط بن زرارة بن عدس ، قال قيس : عجباً منك ! هلَّا كان هذا بيني وبينك ؟ قال : لمَ يا عم ؟ فوالله أفيك لرغبة ، وما من عيب ، ولئن ناجيتك لأخدعنك ولئن عالنتك لا أفضحك . فأعجب قيس كلامه ، وقال : كفء كريم ، إني قد زوجتك ومهرتك مئة ناقة ، ليس فيها ناب (كبير) ولا كزوم (ذهبت أسنانها) ولا تبيت عندنا عزباً ولا محروماً . ثم أرسل إلى أم الجارية ، إني قد زوجت لقيط بن زرارة ابنتي فلانة فاصنعيها (جهزيها) واضربي لها ذلك البلق فإن لقيط لا بيت فينا عزباً . وجلس لقيط يتحدث معهم فذكروا الغزو فقال لقيط : أما الغزو فأرداها اللقاح ، وأجزلها الجمال وأما المقام فأسمنها للجمال وأحبها للنساء ، فأعجب ذلك قيساً ، وأمر قيساً فذهب إلى البلق فجلس فيه وبعثت إليه أم الجارية بمجمرة وبخور ، وقالت للجارية : اذهبي إليه فوالله لئن ردها ما فيه خير ، فلما جاءت الجارية بالمجمرة بخر شعره ولحيته ، ثم ردها عليها ، فلما رجعت الجارية خبرتها بما صنع ، فقالت : إنه لخليق للخير ، فلما أمسى لقيط أهديت إليه ، الجارية فمازحها بكلام اشمأزت منه ، فنام وطرح عليه طرف خميصته وباتت قريباً منه ، فلما استثقل (نام) إنسلَّت فرجعت إلى أمها فانتبه لقيط فلم يرها ، فخرج حتى أتى ابن خاله قراداً وهو في أسفل الوادي فقال له : ارحل (شد عليه) بعيرك وإياك أن يسمع رغاؤها ، فتوجها إلى المنذر بن ماء السماء ، وأصبح قيس ففقد لقيطاً ، فسكت ولم يدري ما الذي ذهب به ومضى لقيط حتى أتى المنذر فأخبره ما كان من قول أبيه وقوله ، فأعطاه مئة من هجنائه (إبله) فبعث بها قراداً إلى أبيه زرارة ، ثم مضى إلى كسرى فكساه وأعطاه جوهراً ثم عاد إلى قيس بن خالد فجهز بنته ، ولما أرادت الرحيل قال لها : يا بنية كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً ، وليكن طيبك الماء ، فإنك إنما يذهب بك إلى الأعداء ، واعلمي أن زوجك فارس مضر ، وأنه يوشك أن يقتل أو يموت ، فلا تخمشي عليه وجهاً ولا تحلقي شعراً ، فقالت له : أما والله قد ربيتني صغيرة ، وأقصيتني كبيرة وزودتني عند الفراق شر زاد وارتحل بها لقيط فجعلت لا تمر بحي من أحياء العرب إلا قالت : أهؤلاء قومك ؟ فيقول : لا ، حتى طلعت على محلة بني عبد الله بن دارم ، فرأت القباب والخيل العراب ، فقالت يا لقيط : أهؤلاء قومك ؟ قال : نعم ، فأقام أياماً يطعم وينحر ثم أقامت عنده حتى قتل يوم جبلة نحو (553 م) فبعث إليها أبوها أخاً له لتحمل إليه فلما ركبت أقبلت حتى وقفت على نادي بني عبد الله بن دارم فقالت : يا بني دارم أوصيكم بالغرائب خيراً فوالله مارأيت مثل لقيط لم تخمش عليه امرأة وجهاً ولم تحلق عليه شعراً فلولا أني غريبة لخمشت وحلقت فأثنوا عليها .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.