1870


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال ابراهيم الزهرى : قدم الفرزدق المدينة في إمارة إبان بن عثمان ، قال فإني والفرزدق وكثير عزة ، جلوس بالمسجد نتناشد الأشعار ، إذ طلع علينا غلام شخت (الشخت الدقيق الضامر أصلاً لا هزالاً) آدم (من الأدمة وهي السمرة الخفيفة) في ثوبين ممصرين (أي مصبوغين بصفرة غير شديدة) ثم قصد نحونا حتى جاء إلينا فلم يسلم ، فقال : أيكم الفرزدق ؟ فقلت مخافة أن يكون من قريش : أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها ! ، فقال : لو كان كذلك لم أقل هذاله ، فقال له الفرزدق : ومن أنت لا أم لك ؟! قال : رجل من بني الأنصار ثم من النجار ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم . بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب ، وتزعم مضر ذلك لك ، وقد قال صاحبنا حسان شعراً فأردت أن أعرضه عليك ، وأوجِّلك سنة ، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب وإلا فأنت كذاب منتحل ، ثم أنشد قول حسان :

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى =  وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
متى ما تزرنا من معد عصابة =  وغساننمنع حوضنا أن يهدما
أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخنا =  وقائلنا بالعرف إلا تكلما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق =  فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنما

فأنشد القصيدة عن آخرها ، وقال له : إني قد أجلتك فيها حولاً . ثم انصرف ، والفرزدق مغضباً يسحب رداءه لا يدري أي طريق يسلك حتى خرج من المسجد ، قال : أقبل كثير عليَّ فقال : قاتل الله الأنصاري ! ما أفصح لهجته ، وأوضح حجته ، وأجود شعره ! قال : فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاري بقية يومنا ، حتى إذا كان الغد ، خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس ، أتاني كثير فجلس معي ، فإنا نتذاكر الفرزدق ونقول : ليت شعري ما فعل ، إذ طلع علينا في حلة أفواف يمايمانية موشاة ، له غديرتان ، حتى جلس في مجلسه بالأمس ثم قال : أما فعل الأنصاري ؟ قال : فنلنا منه وشتمناه ، فقال : قاتله الله ! ما رميت بمثله ولا سمعت بمثل شعره ! فارقتكما فأتيت منزلي فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من الشعر فلكأني مفحم أو لم أقل قط شعراً ، حتى نادى المنادي بالفجر ، فرحلت ناقتي (شددت عليها)ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت ذباباً (جبل بالمدينة) ثم ناديت بأعلى صوتي : أخاكم أبا لبنى ، وقال سعدان : أبا ليلى ! فجاش صدري كما يجيش المرجل ، ثم عقلت ناقتي وتوسدت ذراعها فما قمت حتى قلت مئة وثلاثة عشر بيتاً ، فبينما هو ينشدنا إذا طلع علينا الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم ثم قال : أما أني لم آتك لأعجلك من الأجل الذي وقته لك ، ولكني أحببت أن أراك إلا مسألتك عما صنعت فقال الفرزدق اجلسثم أنشده :

عزفت بأعشاش وما كدت تعزف =  وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
ولج بك الهجران حتى كأنما =  ترى الكوت في البيت الذي كنت تيلف
لحاجة صرم ليس بالوصل إنما =  أخو الوصل من يدنو ومن يتلطف

إلى آخر القصيدة .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.