1871


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال حماد بن اسحاق عن أبيه : دعاني الرشيد (هارون الرشيد) لما حج فقال : صر إلي موضع كذا وكذا فإن هناك غلاماً مجنوناً يغني صوتاً حسناً هو :

هما فتاتان لما يعرف خلقي = وبالشباب على شيبي يدلاني

وله أم فصر إليها وأقم عندها واحتل حتى تأخذه منها ، فجئت أستدل حتى وقفت على بيتها ، فخرجت إلي فوهبت لها مئتي درهم فقلت لها : أريد أن تحتالي على ابنك حتى آخذ منه الصوت الفلاني ، فقالت : نعم ، وأدخلتني دارها ، وأمرتني فصعدت إلي عليه لها (دور ثاني) فما لبثت أن جاء ابنها فدخل ، فقالت له : يا سليمان ، فدتك نفسي ! أمك قد أصبحت خاثرة مغرمة فأحب أن تغني ذلك الصوت :

هما فتاتان لما يعرفا خلقي

فقال لها ومتى حدث لك هذا الطرب ؟ قالت : ما طربت ولكنني أحببت أن تفرج من هم لحقني ، فاندفع فغناه ، فما سمعت أحسن من غنائه ، فقالت له أمه : أحسنت فديتك ! فقد والله كشفت عني قطعة من همي ، فأسألك أن تعيده ، قال : والله مالي نشاط ، ولا أشتري همي بفرحك ، فقالت : أعده مرتين ولك درهم صحيح تشتري به ناطفاً (نوع من الحلوى) قال : ومن أين لك الدرهم ، ومتى حدث لك هذا السخاء ؟ قالت : فأخذه وغنى مرتين ، فدالي وكاد يستوي ، فأومأت لها من فوق أن تستزيده ، فقالت : يا بني بحقي عليك إلا عدته ، فقال : أظن أنك تريدين أن تأخذيه فتصيري مغنية ، فقالت : نعم ! كذا هو ، قال : لا وحق القبر (من في القبر) إلا أعدته بدرهم آخر ، فأخرجت له درهماً آخر ، فأخذه وقال : أظنك والله قد تزندقت وعبدت الكبش فهو ينقدلك هذه الدراهم ، أو قد وجدت كنزاً ، فغناه مرتين وأخذته واستوى لي ، ثم قام فخرج يعدو على وجهه فجئت إلى الرشيد فغنيته به وأخبرته بالقصة ، فطرب وضحك وأمر لي بألف دينار وقال لي : هذه بدل مئتي درهم ، ثم غنيته أبياتاً لابن سريج :

ولقد قالت لأتراب لها =  كالمها يلعبن في حجرتها
خذن عني الظل لا يتعبني =  وعدت سعياً إلى قبتها
لم يصبها نكد فيما مضى =  ظبية تختال في مشيتها


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.