1874


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


روى الفضل بن العباس بن المأمون قال : كنت مع المعتز (الخليفة العباسي) في الصيد فانقطع عن الموكب وأنا ويونس بن بغا معه ، ونحن بقرب قنطرة وصيف ، وكان هناك دير فيه ديراني يعرفني وأعرفه ، نظيف ظريف ، مليح الأدب واللفظ ، فشكى المعتز العطش ، فقلت يا أمير المؤمنين في هذا الدير ، ديراني أعرفه خفيف الروح لا يخلو من ماء بارد ، أفترى أن نميل إليه ؟ قال : نعم فجئنا فأخرج لنا ماء بارداً ، وسألني عن المعتز ويونس ، فقلت : فتيان من أبناء الجند ، فقال : بل مفلتاً من حور الجنة ، فقلت له : هذا ليس في دينك ، فقال : هو الآن في ديني ، فضحك المعتز ، فقال لي الديراني : أتأكلون شيئاً ؟قلت : نعم فأخرج شطيرات وخبزاً وأداماً نظيفاً ، فأكلنا أطيب أكل ، وجاءنا بأظراف أشنان (لتنظيف الأيدي) فاستظرفه المعتز ، وقال لي : قل له فيما بينك وبينه : من تحب أن يكون معك من هذين لا يفارقك ، فقلت له : فقال (كلاهما وتمراً) فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير ، فقلت للديراني : لابد من أن تختار ، فقال : الاختيار لله ، في هذا دمار ، وما خلق الله عقلاً يميز هذين ، ولحقهما الموكب فارتاح الديراني ، فقال له المعتز : بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه فإني لمن ثم مولى ، ولمن هاهنا صديق ، فمزحنا ساعة ثم أمر له بخمسمائة ألف درهم ، فقال : والله ما أقبلها إلا بشرط ، قال وما هو ؟ قال : يجيب أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد ، قال : ذلك لك ، فاتعدنا ليوم جئناه فيه ، فلم يبق غاية وأقام للموكب كله ما أحتاج إليه ، وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا ووصله المعتز يومئذ صلة سنية ولم يزل يعتاده ويقيم عنده .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.