1879


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


كان راعي الإبل (عبيد بن حصين النميري) يقضي للفرزدق على جرير ويفضله ، وكان قد ضخم أمره ، وكان من شعراء الناس ، فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال : هلا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق عليَّ وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم ! قال جرير : فضربت رأيي فيه ، ثم خرج جرير ذات يوم يمشي ولم يركب دابته ، وقال : والله ما يسرني أن يعلم أحد ، وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها ، قال فخرجت أتعرض له لألقاه من حيال حيث كنت اراه يمر إذا انصرف من مجلسه ، وما يسرني أن يعلم أحد حتى إذا هو قد مرَّ على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب (مقطوع من شعره) وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض السبب ، فلما استقبلته قلت : مرحباً يا أبا جندل ! وضربت بشمالي على معرفة بغلته ثم قلت : يا أبا جندل ! إن قولك يستمع وإنك لتفضل الفرزدق عليَّ تفضيلاً قبيحاً وأنا أمدح قومه وهو يهجوهم وهو ابن عمي ، ويكفيك عن ذلك هيم ، إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم ، ولا تحتمل مني ولا منه لائمة ، قال فبينما هو كذلك واقفاً علي وما رد عليَّ شيئاَ حتى لحق ابنه جندل فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بلغته ثم قال : لا أراك واقفاً على كلب بني كليب كأنك تخشى منه شراً أو ترجوا منه خيراً ! وضرب البغلة ضربة ، فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي ، فوالله لا يعرِّج على الراعي لقلت سفيه غوي ، يعني جندلاً ابنه ، ولكن والله ما عاج علي فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت :

أجندل ما تقول بنو نمير =  إذا ما الأير في أست أبيك غابا

فسمعت الراعي قال لابنه : أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشئومة . قال جرير : ولا والله ما القنسوة بأغيظ بأمره إليَّ لو كان عاج عليَّ فانصرف جرير غضباً حتى إذا صلى الهشاء بمنزله في عليَّة له (العلية غرفة في الدور الثاني في المنزل) قال ارفعوا لي باطية من نبيذ واسرجوا لي ففعلوا ما طلب فجعل يهمهم ، فسمعت صوته عجوز في الدار ، فأطلعت في الدرجة حتى نظرت إليهن فإذا هو يحبو على الفراش عرياناً كما هو فيه فانحدرت فقالت : ضيفكم مجنون ! رأيت منه كذا وكذا ! فقالو لهها : اذهبي لطيبك نحن أعلم به وبما يمارس.. فما زال كذلك حتى كان السَّحر ، ثم إذا هو يكبر قد قالها ثمانين بيتاً في نمير فلما ختمها بقوله :

فغض الطرف إنك من نمير =  فلا كعباً بلغت ولا كلابا

كبر ثم قال : أخزيته ورب الكعبة ، ثم أصبح حتى إذا عرف في الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد ، وكأن يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق ، دعا بدهن فادهن ، وكف رأسه (جمع شعر رأسه وضم أطرافه) وكان حسن الشعر ثم قال : يا غلام ، أسرج لي فأسرج له حصاناً ثم قصد مجلسهم ، حتى إذا كان بموضع السلام ، قال : يا غلام ولم يسلم ، قل لعبدٍ : أبعثك نسوتك تكسيهن المال بالعراق ! أما والذي نفس جرير بيده لترجعن إليهن بمير يسودهن ولا يسرهن ! ثم اندفع في القصيدة فأنشدهان فنكس الفرزدق وراعي الإبل وأرمَّ القوم (سكتوا) حتى إذا فرغ منها سار ، وثبت راعي الإبل ساعة ، ثم ركب بغلته بشرٍّ وعر وخلى المجلس حتى ترقى إلى منزله ثم قال لأصحابته : ركابكم ، فليس لكم هاهنا مقام فضحكم والله جرير ! فقال له بعض القوم ، ذاك شؤمك ، وشؤم ابنك ، قال فما كان إلا ترحلهم قال فسرنا إلى أهلنا سيراً ما ساره أحد وهم بالشريف (في وسط نجد) وهو حي بلاد نمير وانطلقوا من البصرة بالعراق فيحلف بالله راعي الإبل أنا وجدنا في أهلنا .

فغض الطرف إنك من نمير

وأقسم بالله ما بلغه إنيٌّ قط وإنما لجرير أشياع من الجن فتشاءمت به بنو نمير وسبوه وابنه .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.