1881


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


حكايات الطفولة لذيذة وقد لا ينساها الإنسان حين يرى الإنسان لداته ومن هم في سنه ورفاقه في الطفولة عندما يكبر ففي يوم من أيام عيد الأضحى ذهبت لمبيعة الغنم بحي عتيقة بالرياض وعندما أوقفت السيارة ونزلت منها وإذا أنا وجهاً لوجه مع أحد رفاق الطفولة من أهل المستجدة ذلك هو عبد العزيز بن رباح الشايع وه  (تنين) لي أي كبري في السن  وأخ لي من الرضاعة فقلت له : (عُزيز) قال : (دحيم) ثم تعانقنا وخم كل منا صاحبه على صدره دقائق ثم بدأ العناق الحار والقبلات العاطفية النارية استمر هذا الموقف بضع دقائق ثم بدأ كل منا يحدق بصاحبه ويرى معالم وجهه التي تغيرت من عهد الطفولة إلى عهد الشباب ثم عهد الكهولة وقد تغيرت الوجوه بعض الشيء بما ظهر عليها من الشعر وما امتلأت به من اللحم والشحم وكانت فرصة رائعة حدثت فجأة بعد نحو من أربعين سنة من عمرينا عندما رحلنا من المستجدة ، وبعد السؤال عن الأحوال والعيال وأمور الحياة الأخرى سألته : ما الذي جاء بك هنا ؟ فقال : الذي جاء بك جئت لأشتري أضاحي ، فقلت له : حسب علمي أن الذي عليه دين لا تقبل أضحيته حتى يوفي دينه ، فقال : صحيح ، ولكني ولله الحمد سليم من الدين ، بل إنني بفضل الله أدين الناس الآن ، والروق عندي واسع ولله الحمد ، قلت له : ولكنك مديون !! فسرح في تفكير عميق وعيناه ساهمتان حيناً وجاحظتان حيناً آخر وكأنه يحاول أن يتذكر شيئاً ثم قال : من يطالبني بدين ؟ قلت : أنسيت الثلاثين ليمونة التي بذمتك لي ؟ فقال : ثلاثين ليمونة ؟!! يقول ذلك وهو يحاول استجماع ذكرياته ، قلت : نعم أنسيت قيمة عشر خرزات التي بعتها عليك ؟ وهنا خبط على (كبوت) السيارة وهو يضحك ضحكة عميقة من أعماق قلبه وعيناه تدمعان وهو يقول : أما نسيتها يا دحيم؟!! فقلت : كيف أنسى مالي ؟ فقال لي عندي لك عن كل ليمونة صندوقاً من البرتقال (أبو صرة) قلت : لا أقبل لا أقبل إلا من شجرة الليمون اللي عندكم . وكان في بستانهم شجرة ليمونة سكرية كبيرة تطلع آلاف من الثمر الذي يكون بحجم الكفين المقبوضتين معً وكانوا رحمهم الله يوزعون ثمرها على الأهل والجيران والأصدقاء ويأكل منها العار والمار وكانت سكرية لذيذة الطعم جداً . وقصة دين الليمون أننا عندما كنا صبية ننصب الفخاخ لصيد صغار الطيور الوافد من الصعو بألوانه المختلفة والزغابر والبزابيز والعقل القبر والعصافير وغيرها ومن متطلبات الفخ خرزة صغيرة تحجز الطعم ينشب بها المطاف (فضلاً انظر كتابي نجد في الأمس القريب) تجد تفاصيل الفخ وكنا نحصل على هذا الخرز الصغير أصغر من حبة الذرة من الأرض التي سبق أن قطن فيها فئة من البادية وكان عبد العزيز في عينيه رطوبة وغير حاد النظر فيصعب عليه الحصول على الخرز وكنت أحصل على أكثر من حاجتي فيشتري مني الخرزة الواحدة بثلاث ليمونات ، ثلاث نمار فبلغ الخرز التي اشتراها منه عشر خرزات بثلاثين ليمونة عندما يستوي ثمار ليمونتهم ، وافترقنا قبل أن يوفيني الدين ومضت الأيام والأعوام إلى أن حصل هذا اللقاء وبعد ضحكات وساعة من الحبور والسرور افترقنا من ذلك المكان ولم أره ثانية إلا بعد بضعة أعوام عندما تعطلت سيارتي قريباً من منزله بالمستجدة ولما رآني كاد أن يطير من الفرح وأخبرته خبر السيارة فقال : لا يهمك أمرها وأخذني بالأحضان ودخلنا منزله وأرسل للسيارة من يسحبها إلى الورشة ويصلحها وأكرمنا ذلك اليوم وتغدينا عنده على صينية كبيرة فوقها خروف كبير دعى إليها الجيران وبقيت عنده حتى آخر ذلك النهار حيث صلحت السيارة وودعته شاكراً وبعد سنة أو سنتين علمت بوفاته المفاجئة –رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه- .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.