1886


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال الأصمعي : نزلت على رجل من بني هذيل فأكرمني وأطرفني بلطائف الأخبار ، فكان يوم أقصر ما يكون السرور ، فلما كان الليل فرش لي موضعاً لطيفاً موطئاً ونمت وجلس ، فقلت : هل بقي لك أرب في السهر ؟ قال : لا ، عافاك الله ، ثم ودعني لما بي ، فحدثت أن له شأن فأوهمته بالنوم ، فقام وفتح مخدعاً فأخرج منه كلبة عليها الحرير وأطواق الذهب ، فقدم لها طعاماً وشراباً ، فلما اكتفت غسلها بماء الورد وبخرها بالعود ، ثم مكث ساعة ، ونزع ما كان عليها ورشها بالرماد والزيت وعاقبها طويلاً وهو مع الفعلتين يبكي بشهيق أخال فيه أن نفسه زهقت ثم أعاد عليها وأدخلها المخدع وجلس يبكي وينشد :

أأحبا بنا لو تعلمون بحالنا =  لما كانت اللذات تشغلكم عنا
تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا =  وأبديتم الهجران ما هكذا كنا
وآليتموا ألا تخونوا عهودنا =  فقد وحياة الحب خنتم وما خنا
غدرتم ولم نغدر وخنتم ولم نخن =  وحلتم عن العهد القديم وما حلنا
وقلتم ولم توفو بصدق حديثكم =  ونحن على صدق الحديث الذي قلنا

ودام على ذلك حتى طلع الفجر ، فجاء يوقظني فرآني منتبهاً ، فلما ودعته تفرس في وجهي كلاماً ، فقال : أنشدك الله هل رأيت من حالتي شيئاً أنكرته ؟ قلت : اللهم نعم ، فقال : أوتحب أن أطرفك به ؟ قلت : أي والله ، فتنفس الصعداء ، وكفكف دمعه فلم يملك أن خنقته العبرة فأرسلها وأنشد :

أكفكف جفن العين والدمع سافح =  كشبه غدير فوق خدي جارياً
فياليت شعري ذا البكاء إلى متى =  وحتى متى ذا الحزن والجسم بالياً

ثم غيض دمعه ، وقال : يا أخا العرب ، كانت لي ابنة عم لا أملك الصبر عنها ، فتزوجت بها فكانت بي أبر من أمي ، وأقمنا مدة لم آل جهداً في الإنفاق عليها ، فتعاهدنا على عدم التفرق والاستبدال فلما أملقت (افترقت) أنفة مني فأخذت في التحامل والتجنب ، فقلت لها : ماذا تريدين ؟ قالت : أو فاعل أنت ما أقول ؟ قلت : نعم ، قالت : تطلقني ، فخامرني حبها فقلت : قد فعلت فاعتزلتني ، وعادوني القلق فألمت طويلاً ، وجئت وشكوت إليها ذلك ، وذكرتها العهود والمواثيق ، فطيبت نفسي فحلفت أنا لا تتزوج ولا تتزين لغيري ، فقمت وجئتها يوماً فوجدتها على أحسن ما يكون من أنواع الزينة فكلمتها فلم تجب ، فسألت فقيل لي تزوجت ، فحلفت لها ن لا آخذ بدلها للبسها وزينتها التي عندي إلا كلبة ، وفعلت فأنا الآن أمثلها بتزيين هذه الكلبة ، وأذكر عذرها فأسيلها وأعافيها كما رأيت . فقلت : هل وقع بينكما بعد ذلك مراسلات ، قال : نعم ، قد كلفها الذي تزوج بها شططاً وسلمها نقصاً ، فندمت ، فراسلتني فلم أجب مع أنه لم يكن على البسيطة أعز علي منها ولكنها الغيرة تمنعني . قال الأصمعي فلم ار أغرب منها قصة .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.