1891


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال وهب بن ناجية الرصافي : كنت ممن وقعت عليه التهمة في مال مصر أيام الواثق (الخليفية العباسي) فطلبني السلطان طلباً شديداً ، حتى ضاقت على الرصافة وغيرها ، فخرجت إلى البادية مرتاداً رجلاً عزيز الدار ، منيع الجار ، وأعوذ به وأنزل عليه ، فبينما أنا أسير إذا رأيت خياماً ، فعدلت إليها ، فملت إلى بيت منها مضروب وبفنائه رمح مركوز ، وفرس مربوط ، فدنوت فسلمت ، فرد على نساء من وراء السجف وقالت لي احداهن : اطمئن يا حضري فنعم مناخ الضيفان بوأك القدر ، ومهدك السفر ، فقلت : وأني يطمئن المطلوب ، أو يأمن المرعوب ، من دون أن يأوي إلى جبل يعصمه ، أو مأمن أو مفزع يمنعه ! وقليلاً ما يهيج من السلطان طالبه ، والخوف غالبة ! قالت : لقد ترجم لسانك عن ذنب عظيم وقلب صغير ، وأيم الله لقد حللت بفناء رجل لا يضام بفنائه أحد ، ولا يجوع لساحته كبد هذا الأسود بن قنان الشيباني أخواله كعب وأعمامه شيبان ، صعلوك الحي في ماله ، وسيدهم في حالة ، وسندهم في فعاله ، صدوق الجوار وقود النار ، وبهذا وصفته أمامة بنت خزرج حيث تقول :

إذا شئت أن تلقى فتى لو زنته =  بكل معدي وكل يماني
وفي بهما فضلاً وجوداً وسؤدداً =  ورأيا فذاك الاسود بن قنان
فتى لا يرى في ساحة الأرض مثله =  ليوم ضراب أو ليوم طعان

قال : فقلت يا جارية وأنى لي به ! فقالت : يا خادم مولاك ! فلم تلبث أن جاءت وهو معهما في جماعة من قومه ، قوال : أي المنعمين علينا أنت ؟ فسبقتني المرأة وقالت : هذا رجل نبت به أوطانه وأزعجه زمانه ، وأوحشه سلطانه ، وقد ضمناه له ما يضمن لمثله على مثلك ، قال : بل الله فاك ، أشهدكم يا بني عمي أن هذا الرجل في جواري وفي ذمتي ؟ فمن آذاه فقد آذاني ومن كاده فقد كادني ، وأمر ببيت فضرب لي إلى جانبه وقال : هذا بيتك وأنا جارك ، وهؤلاء رجالك فلم أزل بينهم في خفض وسعة إلى أن سرت عنهم .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.