1892


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


تجوع الرحة ولا تأكل بثدييها أول من قال هذا المثل الحرث بن سليل الأسدي ، وكان حليفاً لعلقمة بن خصفة الطائي ، فزاره ونظر إلى ابنته الزباء ، وكانت من أجمل أهل دهرها ، فأعجب بها ، فقال له : أتيتك خاطباً ، وقد ينكح الخاطب ويدرك الطالب ويمنح الراغب ، قال : فأقم ننظر في أمرك ثم انكفأ إلى أمها فقال : إن الحرث  من سليل الأسدي سيد قومه حسباً ونسباً ومنصباً وبيتً وقد خطب إلينا الزباء فلا ينصرفن إلا بحاجته ، فقالت امرأته لابنتها : أي الرجال أحب إليك ؟ الكهل الحجاج ، الواصل المناح ، أم الفتى الوضاح ؟ قالت : لا ، بل الفتى الوضاح ، قالت : إن الفتى يغيرك ، وإن الشيخ يميرك ، وليس الكهل الفاضل الكثير النائل  ، كالحدث السن الكثير المن ، قالت : يا أمتاه ، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاء أينق الكلأ ، قالت : أي بنية إن الفتى شديد الحجاب ، كثير العتاب ، قالت : إن الشيخ يبلي شباب ، ويدنس ثيابي ، ويشمت بي أترابي ، فلم تزل مها بها حتى غلبتها على رأيها ، فتزوجها الحرث على مئة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم ، فابتنى بها ، ثم رحل بها إلى قومه . فبينما هو ذا يوم جالس بفناء قومه وهي إلى جانبه ، إذا أقبل إليه شباب من بني أسد يعتنجون (يتمازحون ويتعاركون) فتنفست الصعداء ثم ارخت عينيها بالبكاء ، فقال لها : ما يبكيك ؟ فقالت : مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ ، فقال لها : ثكلتك أمك ، تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ، و قال :

تهزأت إن رأتني لابساً كبراً =  وغاية الناس بين الموت والكبر
فإن بقيت لقيت الشيب راغمة = وفي التعرف ما يمضي من العبر
وإن يكن قد علا رأسي وغيره =  صرف الزمان وتغيير من الشعر
فقد أروح للذات الفتى جذلاً =  وقد أصيب بها عيناً من البقر
عني إليك فإني لا توافقني =  عور الكلام ولا شرب على الكدر


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.