1895


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


قال الحارث بن خالد المخزومي : بلغني أن الغريض خرج مع نسوة من أهل مكة من أهل الشرف ليلاً إلى بعض المتحدثات من نواحي مكة ، وكانت ليلة مقمرة فاشتقت إليهم وإلى مجالسهن وأحاديثهن ، وخفت على نفسي لجناية كنت أطالب بها ، وكان عمر بن أبي ربيعة مهيباً معظماً لا يقدم عليه سلطان ولا غيره ، وكان مني قريباً ، فأتيته فقلت له : إن فلانة وفلانة وفلانة حتى سميتهن كلهن قد بعثني وهن يقرأن عليك السلام ، وقلن تشوقن إليك في ليلتنا هذه لصوت أنشدناه فويسقك الغريض (مغني) وكان الغرض يغني هذا الصوت فيجيده ، وكان ابن أبي ربيعة به معجباً وكان كثيراً ما يسأله الغريض أن يغنيه وهو قوله :

أمسى بأسماء هذا القلب معموداً =  إذا أقول صحا يعتاده عبيداً
كأن أحور من غزلان ذي نفر =  أهدي لها شبه العينين والجيدا
قامت تراءى وقد جد الرحيل بنا =  لتنكأ القرح من قلب قد اصطيدا
كأنني يوم أمسي لا تكلمني = ذو بغية يبتغي ما ليس موجوداً
أجري على موعد منها فتخلفني =  أو أن أصادف من تلقائها جودا
فليس تبذلي عفواً فأكرمها =  من أن ترى عندنا في الحرص تشديداً

فلما أخبرته الخبر قال : لقد أزعجتني في وقت كانت الدعة أحب فيه إليَّ ، ولكن صوت الغريض وحديث النسوة ليس له مُتَّرك ولا عنة محيص ؟ ، فدعا بثيابه فلبسها وقال : امض فمضينا نمشي العجل حتى قربن منهن فقال عمر : خفض عليك مشيك ففعلت ، حتى وقفنا عليهن وهن في أطيب حديث وأحسن مجلس فسلمنا فتهيبنا وتحفزن منا فقال الغريض لا عليكن ! هذا ابن أبي ربيعة والحارث بن خالد جاءا متشوقين إلى حديثكن وغنائي ؟ فقالت فلانة : وعليك السلام يا ابن أبي ربيعة ، والله ما تم مجلسنا إلا بك ، اجلسا فجلسنا غير بعيد ، وأخذن عليهن جلابيبهن وتقنعن بأخمرتهن وأقبلن علينا بوجوههن وقلت لعمر : كيف أحسست بنا وقد أخفينا أمرنا ؟ فقال : هذا الفاسق جاءني برسالتكن وكنت وقيذاً من علة وجدتها (الوقيذ المريض) فأسرعت الإجابة ورجوت منكن حسن الإثابة ، فرددن عليه قد وجب أجرك ولم يخب سعيك ، ووافق منا الحارث إرادة فحدثهن بما قلت من قصة غناء الغريض ، فقالت النسوة ما كان ذلك كذلك وقد نبهتنا على صوت حسن يا غريض هاته ، فاندفع الغريض يغني ويقول :

أمسى بأسماء هذا القلب معموداً =  إذا أقول صحا يعتاده عيداً

حتى أتى على الشعر كله إلى آخره ، فكل استحسنه وأقبل علي بن أبي ربيعة فجزاني الخير ، وكذلك النسوة فلم نزل بأنعم ليلة وأطيبها حتى بدأ القمر يفيب فقمنا جميعاً فأخذ النسوة طريق ونحن طريقاً آخر .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.