1896


الاستاذ عبدالرحمن السويداء


ليتصور القارئ الكريم أن ثلاثمائة رجل أعمى كل واحد منهم يتوكأ على عصاه دخلوا في صالة كبيرة أو بهو واسع واختلفوا وانقسموا إلى قسمين وتضاربوا بعصيهم فصار كل واحد يخبط بعصاه ولا يدري من يصيب أهو من حزبه أو من مناوئيه ، تصور حركة تلك العصيان المصحوبة بالصراخ والعويل والأصوات المتتالية والمتقاطعة كيف يكون هذا المشهد ؟ ليس هذا من التصور والخيال وإنما هو ما حدث فعلاً . فقد ذكره المؤرخ والشاعر أسامة بن منقذ الكناني رحمه الله الذي عاش في سيزر إلى الشمال الغربي عن حماة من بلاد الشام من 488-584 هــ حين قال : حضرت بدمشق وقد وقع بين العميان وبين رجل كان يتولى وقفهم يعرف بابن البعلبكي خلف ، فلقوا فيه صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري رحمه الله عدة مرار ، فقال للأمير مجاهد الذين بوزان بن مامين : تالله خلصني منهم واجمعهم وأحضر نائبهم في الوقف وأفصل حالهم ، فقال : السمع والطاعة ، قال لي مجاهد الدين تفضل واحضر معنا ، فاجتمعنا في إيوان كبير في دار وحضر النائب ابن البعلبكي نائب كان قبله يقال له : ابن الفراش ، وحضر العميان في نحو ثلاثمئة رجل ، فملوا بأقدامهم ودخلوا الإيوان كل واحد وعصاه معه في يده ، وضعها إلى جنبه ثم تحاوروا الحديث ، فكان بعضهم مع النائب الأول ابن الفراش وبعضهم هواه مع ابن البعلبكي فتنازعوا وتخاصموا ساعة ولا يتدخل بينهم لعلو أصواتهم وكثرتهم ، ثم تواثبوا في الإيوان نحوٌ من ثلاثمئة عصا في أيدي العميان لا يدرون من يضربون وعلا الضجيج والصياح حتى ندمت على حضوري فتلطفنا الأمر حتى سكنت الفتنة بينهم ومشيَّا أمرهم على ما أرادوا ، وما صدقنا أنهم ينصرفون .


 

.
جميع الحقوق محفوظة © 2016 الراوي – سالفة وقصيد.